الشوكاني

393

فتح القدير

سورة طه الآية ( 130 - 135 ) قوله ( أفلم يهد لهم ) الاستفهام للتقريع والتوبيخ ، والفاء للعطف على مقدر ، كما مر غير مرة ، والجملة مستأنفة لتقرير ما قبلها وفاعل يهد هو الجملة المذكورة بعدها ، والمفعول محذوف ، وأنكر البصريون مثل هذا لأن الجمل لا تقع فاعلا ، وجوزه غيرهم . قال القفال : جعل كثرة ما أهلك من القرون مبينا لهم . قال النحاس . وهذا خطأ لأن كم استفهام ، فلا يعمل فيها ما قبلها . وقال الزجاج : المعنى أو لم يهد لهم الأمر بإهلاكنا من أهلكناه ، وحقيقته تدل على الهدى ، فالفاعل هو الهدى ، وقال ( كم ) في موضع نصب بأهلكنا وقيل إن فاعل يهد ضمير لله أو للرسول ، والجملة بعده تفسره ، ومعنى الآية على ما هو الظاهر : أفلم يتبين لأهل مكة خبر من ( أهلكنا قبلهم من القرون ) حال كون القرون ( يمشون في مساكنهم ) ويتقلبون في ديارهم ، أو حال كون هؤلاء يمشون في مساكن القرون الذين أهلكناهم عند خروجهم للتجارة وطلب المعيشة ، فيرون بلاد الأمم الماضية ، والقرون الخالية خاوية خاربة من أصحاب الحجر وثمود وقرى قوم لوط فإن ذلك مما يوجب اعتبارهم لئلا يحل بهم مثل ما حل بأولئك . وقرأ ابن عباس والسلمي " نهد " بالنون ، والمعنى على هذه القراءة واضح ، وجملة ( إن في ذلك لآيات لأولي النهى ) تعليل للإنكار وتقرير للهداية ، والإشارة بقوله ذلك إلى مضمون كم أهلكنا إلى آخره . والنهي : جمع نهية ، وهى العقل : أي لذوي العقول التي تنهى أربابها عن القبيح ( ولولا كلمة سبقت من ربك ) أي ولولا الكلمة السابقة ، وهى وعد الله سبحانه بتأخير عذاب هذه الأمة إلى النار الآخرة ( لكان ) عقاب ذنوبهم ( لزاما ) أي لازما لهم ، لا ينفك عنهم بحال ولا يتأخر . وقوله ( وأجل مسمى ) معطوف على كلمة ، قاله الزجاج وغيره ، والأجل المسمى هو يوم القيامة ، أو يوم بدر ، واللزام مصدر لازم ، قيل ويجوز عطف وأجل مسمى على الضمير المستتر في كان العائد إلى الأخذ العاجل المفهوم من السياق تنزيلا للفصل بالخبر منزلة التأكيد : أي لكان الأخذ العاجل ( وأجل مسمى ) لازمين لهم كما كانا لازمين لعاد وثمود ، وفيه تعسف ظاهر . ثم لما بين الله سبحانه أنه لا يهلكهم بعذاب الاستئصال أمره بالصبر فقال ( فاصبر على ما يقولون ) من أنك ساحر كذاب ، ونحو ذلك من مطاعنهم الباطلة ، والمعنى : لا تحتفل بهم ، فإن لعذابهم وقتا مضروبا لا يتقدم ولا يتأخر . وقيل هذا منسوخ بآية القتال ( وسبح بحمد ربك ) أي متلبسا بحمده ، قال أكثر المفسرين : والمراد الصلوات الخمس كما يفيد ، قوله ( قبل طلوع الشمس ) فإنه إشارة إلى صلاة الفجر ( وقبل غروبها ) فإنه إشارة إلى صلاة العصر ( ومن آناء الليل ) العتمة ، والمراد بالآناء الساعات ، وهى جمع إني بالكسر والقصر ، وهو الساعة ، ومعنى ( فسبح ) أي فصل