الشوكاني
391
فتح القدير
وابن منده في التوحيد والطبراني في الصغير وصححه عن ابن عباس قال : إنما سمى الإنسان لأنه عهد إليه فنسى . وأخرج عبد الغنى وابن سعد عن ابن عباس ( ولقد عهدنا إلى آدم ) أن لا تقرب الشجرة ( فنسى ) فترك عهدي ( ولم نجد له عزما ) قال : حفظا . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضا ( فنسى ) فترك ( ولم نجد له عزما ) يقول : لم نجعل له عزما . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضا ( إنك لا تظمأ فيها ولا تضحى ) قال : لا يصيبك فيها عطش ولا حر . وأخرج أحمد وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها ، وهى شجرة الخلد " وفى الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " حاج آدم موسى قال له : أنت الذي أخرجت الناس من الجنة بذنبك وأشقيتهم بمعصيتك ، قال آدم : يا موسى أنت الذي اصطفاك الله برسالته وبكلامه ، أتلومني على أمر كتبه الله علي قبل أن يخلقني ، أو قدره علي قبل أن يخلقني ، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : فحج آدم موسى " . سورة طه الآية ( 123 - 127 ) قوله ( قال اهبطا ) قد مر تفسيره في البقرة : أي انزلا من الجنة إلى الأرض . خصهما الله سبحانه بالهبوط لأنهما أصل البشر ، ثم عمم الخطاب لهما ولذريتهما فقال ( بعضكم لبعض عدو ) والجملة في محل نصب على الحال ويجوز أن يقال خاطبهما في هذا وما بعده خطاب الجمع ، لأنهما منشأ الأولاد . ومعنى ( بعضكم لبعض عدو ) تعاديهم أنه في أمر المعاش ونحوه ، فيحدث بسبب ذلك القتال والخصام ( فإما يأتينكم منى هدى ) بإرسال الرسل وإنزال الكتب ( فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ) أي لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة ( ومن أعرض عن ذكرى ) أي عن ديني ، وتلاوة كتابي ، والعمل بما فيه ، ولم يتبع هداي ( فإن له معيشة ضنكا ) أي فإن له في هذه الدنيا معيشة ضنكا : أي عيشا ضيقا . يقال منزل ضنك وعيش ضنك ، مصدر يستوى فيه الواحد وما فوقه والمذكر والمؤنث ، قال عنترة : إن المنية لو تمثل مثلت * مثلي إذا نزلوا بضنك المنزل وقرئ ( ضنكى ) بضم الضاد على فعلي . ومعنى الآية : أن الله عز وجل جعل لمن اتبع هداه وتمسك بدينه أن يعيش في الدنيا عيشا هنيا غير مهموم ولا مغموم ولا متعب نفسه كما قال سبحانه - فلنحيينه حياة طيبة - وجعل لمن لم يتبع هداه وأعرض عن دينه أن يعيش عيشا ضيقا وفى تعب ونصب ، ومع ما يصيبه في هذه الدنيا من المتاعب ، فهو في الأخرى أشد تعبا وأعظم ضيقا وأكثر نصبا ، وذلك معنى ( ونحشره يوم القيامة أعمى ) أي مسلوب البصر :