الشوكاني
387
فتح القدير
الأعيان ، وقد تكلف لذلك صاحب الكشاف في هذا الموضع بما عنه غنى ، وفى غيره سعة ( يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له ) أي يوم نسف الجبال يتبع الناس داعي الله إلى المحشر . وقال الفراء : يعني صوت الحشر ، وقيل الداعي هو إسرافيل إذا نفخ في الصور لا عوج له : أي لا معدل لهم عن دعائه فلا يقدرون على أن يزيغوا عنه ، أو ينحرفوا منه بل يسرعون إليه كذا قال أكثر المفسرين ، وقيل لا عوج لدعائه ( وخشعت الأصوات للرحمن ) أي خضعت لهيبته ، وقيل ذلت ، وقيل سكتت ، ومنه قول الشاعر : لما أتى خبر الزبير تواضعت * سور المدينة والجبال الخشع ( فلا تسمع إلا همسا ) الهمس الصوت الخفي . قال أكثر المفسرين : هو صوت نقل الأقدام إلى المحشر ، ومنه قول الشاعر : * وهن يمشين بنا هميسا * يعني صوت أخفاف الإبل . وقال رؤبة يصف نفسه : ليث يدق الأسد الهموسا * ولا يهاب الفيل والجاموسا يقال للأسد الهموس ، لأنه يهمس في الظلمة : أي يطأ وطئا خفيا . والظاهر أن المراد هنا كل صوت خفي سواء كان بالقدم ، أو من الفم ، أو غير ذلك ، ويؤيده قراءة أبي بن " كعب " فلا ينطقون إلا همسا " ( يومئذ لا تنفع الشفاعة ) أي يوم يقع ما ذكر لا تنفع الشفاعة من شافع كائنا من كان ( إلا من أذن له الرحمن ) أي إلا شفاعة من أذن له الرحمن أن يشفع له ( ورضى له قولا ) أي رضى قوله في الشفاعة أو رضى لأجله قول الشافع . والمعنى : إنما تنفع الشفاعة لمن أذن له الرحمن في أن يشفع له ، وكان له قول يرضى ، ومثل هذه الآية قوله - لا يشفعون إلا لمن ارتضى - ، وقوله - لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا - ، وقوله - فما تنفعهم شفاعة الشافعين - ( يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ) أي ما بين أيديهم من أمر الساعة ، وما خلفهم من أمر الدنيا ، والمراد هنا جميع الخلق ، وقيل المراد بهم الذين يتبعون الداعي ، وقال ابن جرير : الضمير يرجع إلى الملائكة ، أعلم الله من يعبدها أنها لا تعلم ما بين أيديها وما خلفها ( ولا يحيطون به علما ) أي بالله سبحانه ، لا تحيط علومهم بذاته ، ولا بصفاته ، ولا بمعلوماته ، وقيل الضمير راجع إلى ما في الموضعين فإنهم لا يعلمون جميع ذلك ( وعنت الوجوه للحي القيوم ) أي ذلت وخضعت ، قاله ابن الأعرابي . قال الزجاج : معنى عنت في اللغة خضعت ، يقال عنى يعنو عنوا إذا خضع ومنه قيل للأسير : عان ، ومنه قول أمية بن أبي الصلت : مليك على عرش السماء مهيمن * لعزته تعنو الوجوه وتسجد وقيل هو من العناء ، بمعنى التعب ( وقد خاب من حمل ظلما ) أي خسر من حمل شيئا من الظلم ، وقيل هو الشرك ( ومن يعمل من الصالحات ) أي الأعمال الصالحة ( وهو مؤمن ) بالله ، لأن العمل لا يقبل من غير إيمان ، بل هو شرط في القبول ( فلا يخاف ظلما ) يصاب به من نقص ثواب في الآخرة ( ولا هضما ) الهضم النقص والكسر يقال هضمت لك من حقي : أي حططته وتركته ، وهذا يهضم الطعام : أي ينقص ثقله ، وامرأة هضيم الكشح : أي ضامرة البطن ، وقرأ ابن كثير ومجاهد لا يخف بالجزم جوابا لقوله : " ومن يعمل من الصالحات " وقرأ الباقون " يخاف " على الخبر . وقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس أن رجلا أتاه ، فقال رأيت قوله ( ونحشر المجرمين يومئذ زرقا ) وأخرى عميا قال : إن يوم القيامة فيه حالات يكونون في حال زرقا ، وفى حال عميا . وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في قوله ( يتخافتون بينهم ) قال يتساررون . وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد ابن جبير في قوله ( أمثلهم طريقة ) قال : أوفاهم عقلا ، وفى لفظ قال : أعلمهم في نفسه . وأخرج ابن المنذر وابن جريج قال : قالت قريش كيف يفعل ربك بهذه الجبال يوم القيامة ؟ فنزلت ( ويسألونك عن الجبال ) الآية .