الشوكاني
384
فتح القدير
جهات وجب أن يبنى ، وإذا اعتل من جهتين وجب أن لا ينصرف ، لأنه ليس بعد الصرف إلا البناء ، فمساس دراك اعتل من ثلاث جهات : منها أنه معدول ، ومنها أنه مؤنث ، ومنها أنه معرفة ، فلما وجب البناء فيه وكانت الألف قبل السين ساكنة كسرت السين لالتقاء الساكنين . وقد رأيت أبا إسحاق يعني الزجاج ذهب إلى أن هذا القول خطأ وألزم أبا العباس إذا سميت امرأة بفرعون أن يبنيه وهذا لا يقوله أحد . وقد قرأ بفتح الميم أبو حياة والباقون بكسرها . وحاصل ما قيل في معنى لا مساس ثلاثة أوجه : الأول أنه حرم عليه مماسة الناس ، وكان إذا ماسه أحد حم الماس والممسوس ، فلذلك كان يصيح إذا رأى أحدا لا مساس . والثاني أن المراد منع الناس من مخالطته ، واعترض بأن الرجل إذا صار مهجورا فلا يقول هو لا مساس ، وإنما يقال له ، وأجيب بأن المراد الحكاية : أي أجعلك يا سامري بحيث إذا أخبرت عن حالك قلت لا مساس . والقول الثالث أن المراد انقطاع نسله ، وأن يخبر بأنه لا يتمكن من مماسة المرأة قاله أبو مسلم وهو ضعيف جدا . ثم ذكر حاله في الآخرة فقال ( وإن لك موعدا لن تخلفه ) أي لن يخلفك الله ذلك الموعد ، وهو يوم القيامة ، والموعد مصدر : أي إن لك وعدا لعذابك ، وهو كائن لا محالة قال الزجاج : أي يكافئك الله على ما فعلت في القيامة والله لا يخلف الميعاد . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب وابن محيصن واليزيدي والحسن لن تخلفه بكسر اللام ، وله على هذه القراءة معنيان : أحدهما ستأتيه ولن تجده مخلفا كما تقول أحمدته : أي وجدته محمودا . والثاني على التهديد : أي لا بد لك من أن تصير إليه . وقرأ ابن مسعود " لن نخلفه " بالنون : أي لن يخلفه الله . وقرأ الباقون بفتح اللام ، وبالفوقية مبنيا للمفعول ، معناه ما قدمناه ( وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا ) ظلت أصله ظللت فحذفت اللام الأولى تخفيفا ، والعرب تفعل ذلك كثير . وقرأ الأعمش بلامين على الأصل . وفى قراءة ابن مسعود " ظلت " بكسر الظاء . والمعنى : انظر إلى إلهك الذي دمت وأقمت على عبادته ، والعاكف الملازم ( لنحرقنه ) قرأ الجمهور بضم النون وتشديد الراء من حرقه يحرقه . وقرأ الحسن بضم النون وسكون الحاء وتخفيف الراء من أحرقه يحرقه . وقرأ علي وابن عباس وأبو جعفر وابن محيصن وأشهب والعقيلي " لنحرقنه " بفتح النون وضم الراء مخففة من حرقت الشئ أحرقه حرقا إذا بردته وحككت بعضه ببعض : أي لنبردنه بالمبارد ، ويقال للمبرد المحرق . والقراءة الأولى أولى ، ومعناها الإحراق بالنار ، وكذا معنى القراءة الثانية ، وقد جمع بين هذه الثلاث القراءات بأنه أحرق ، ثم برد بالمبرد ، وفى قراءة ابن مسعود " لنذبحنه " ثم لنحرقنه ، واللام هي الموطئة للقسم ( ثم لننسفنه في اليم نسفا ) النسف نفض الشئ ليذهب به الريح . قرأ أبو رجاء " لننسفنه " بضم السين ، وقرأ الباقون بكسرها ، وهما لغتان . والمنسف ما ينسف به الطعام ، وهو شئ منصوب الصدر أعلاه مرتفع ، والنسافة ما يسقط منه ( إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو ) لا هذا العجل الذي فتنتم به السامري ( وسع كل شئ علما ) قرأ الجمهور وسع بكسر السين مخففة . وهو معتد إلى مفعول واحد ، وهو كل شئ ، وانتصاب علما على التمييز المحول عن الفاعل : أي وسع علمه كل شئ . وقرأ مجاهد وقتادة وسع بتشديد السين وفتحها فيتعدى إلى مفعولين ، ويكون انتصاب علما على أنه المفعول الأول وإن كان متأخرا ، لأنه في الأصل فاعل ، والتقدير : وسع علمه كل شئ ، وقد مر نحو هذا في الأعراف ( كذلك نقص عليك ) الكاف في محل نصب على أنها نعت لمصدر محذوف أي كما قصصنا عليك خبر موسى كذلك نقص عليك ( من أنباء ما قد سبق ) أي من أخبار الحوادث الماضية في الأمم الخالية لتكون تسلية لك ودلالة على صدقك ، ومن للتبعيض : أي بعض أخبار ذلك ( وقد آتيناك من لدنا ذكرا ) المراد بالذكر القرآن ، وسمى ذكرا لما فيه من الموجبات للتذكر والاعتبار ، وقيل المراد بالذكر الشرف كقوله - وإنه لذكر لك ولقومك - ثم توعد سبحانه المعرضين على هذا الذكر فقال