الشوكاني

39

فتح القدير

" حفظا " وهو منتصب على التمييز ، وهى قراءة أبي عمرو وعاصم وابن عامر . وقرأ سائر الكوفيين " حافظا " منتصب على الحال . وقال الزجاج : على البيان يعني التمييز ، ومعنى الآية : أن حفظ الله إياه خير من حفظهم له ، لما وكل يعقوب حفظه إلى الله سبحانه حفظه وأرجعه إليه ، ولما قال في يوسف - وأخاف أن يأكله الذئب - وقع له من الامتحان ما وقع . ( ولما فتحوا متاعهم ) أي أوعية الطعام أو ما هو أعم من ذلك مما يطلق عليه لفظ المتاع سواء كان الذي فيه طعاما أو غير طعام ( وجدوا بضاعتهم ردت إليهم ) أي البضاعة التي حملوها إلى مصر ليمتاروا بها ، وقد تقدم بيانها ، وجملة ( قالوا يا أبانا ) مستأنفة كما تقدم ( ما نبغي ) ما استفهامية والمعنى : أي شئ نطلب من هذا الملك بعد أن صنع معنا ما صنع من الإحسان برد البضاعة والإكرام عند القدوم إليه ، وتوفير ما أردناه من المبرة ، ويكون الاستفهام للإنكار ، وجملة ( هذه بضاعتنا ردت إلينا ) مقررة لما دل عليه الاستفهام من الإنكار لطلب شئ مع كونها قد ردت إليهم . وقيل إن " ما " في ما نبغي نافية أي ما نبغي في القول وما نتزيد فيما وصفنا لك من إحسان الملك إلينا وإكرامه لنا . ثم برهنوا على ما لقوه من التزيد في وصف الملك بقولهم ( هذه بضاعتنا ردت إلينا ) فإن من تفضل عليهم برد ذلك حقيق بالثناء عليه منهم ، مستحق لما وصفوه به ، ومعنى ( ونمير أهلنا ) نجلب إليهم الميرة وهى الطعام ، والمائر الذي يأتي بالطعام . وقرأ السلمي بضم النون ، وهو معطوف على مقدر يدل عليه السياق والتقدير : هذه بضاعتنا ردت إلينا فنحن نستعين بها على الرجوع ونمير أهلنا ( ونحفظ أخانا ) بنيامين مما تخافه عليه ( ونزداد ) بسبب إرساله معنا ( كيل بعير ) أي حمل بعير زائد على ما جئنا به هذه المرة ، لأنه كان يكال لكل رجل وقر بعير ، ومعنى ( ذلك كيل يسير ) أن زيادة كيل بعير لأخينا يسهل على الملك ، ولا يمتنع علينا من زيادته له لكونه يسيرا لا يتعاظمه ولا يضايقنا فيه ، وقيل إن المعنى : ذلك المكيل لأجلنا قليل نريد أن ينضاف إليه حمل بعير لأخينا . واختار الزجاج الأول . وقيل إن هذا من كلام يعقوب جوابا على ما قاله أولاده : ( ونزداد كيل بعير ) يعني إن حمل بعير شئ يسير لا يخاطر لأجله بالولد وهو ضعيف ، لأن جواب يعقوب هو ( قال لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقا من الله ) أي حتى تعطوني ما أثق به وأركن إليه من جهة الله سبحانه ، وهو الحلف به ، واللام في ( لتأتنني به ) جواب القسم : لأن معنى ( حتى تؤتون موثقا من الله ) : حتى تحلفوا بالله لتأتني به : أي لتردن بنيامين إلى . والاستثناء بقوله ( إلا أن يحاط بكم ) هو من أعم العام ، لأن ( لتأتنني به ) وإن كان كلاما مثبتا فهو في معنى النفي . فكأنه قال : لا تمنعون من إتياني به في حال من الأحوال لعله من العلل إلا لعلة الإحاطة بكم ، والإحاطة مأخوذة من إحاطة العدو . ومن أحاط به العدو فقد غلب أو هلك . فأخذ يعقوب عليهم العهد بأن يأتوه ببنيامين إلا أن تغلبوا عليه أو تهلكوا دونه ، فيكون ذلك عذرا لكم عندي ( فلما آتوه موثقهم ) أي أعطوه ما طلبه منهم من اليمين ( قال الله على ما نقول وكيل ) أي قال يعقوب : الله على ما قلناه من طلبي الموثق منكم وإعطائكم لي ما طلبته منكم مطلع رقيب لا يخفى عليه منه خافية ، فهو المعاقب لمن خاس في عهده وفجر في الحلف به ، أو موكول إليه القيام بما شهد عليه منا . وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس قال : إن إخوة يوسف لما دخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون ، جاء بصواع الملك الذي كان يشرب فيه ، فوضعه على يده فجعل ينقره ويطن وينقره ويطن ، فقال : إن هذا الجام ليخبرني عنكم خبرا ، هل كان لكم أخ من أبيكم يقال له يوسف ؟ وكان أبوه يحبه دونكم ، وإنكم انطلقتم به فألقيتموه في الجب وأخبرتم أباكم أن الذئب أكله ، وجئتم على قميصه بدم كذب ؟ قال : فجعل بعضهم ينظر إلى بعض ويعجبون . وأخرج أبو الشيخ عن وهيب قال : لما جعل يوسف ينقر الصواع ويخبرهم قام