الشوكاني
359
فتح القدير
كتمته حتى من نفسي : أي لم أطلع عليه أحدا ، ومعنى الآية أن الله بالغ في إخفاء الساعة ، فذكره بأبلغ ما تعرفه العرب . وقد روى عن سعيد بن جبير أنه قرأ " أخفيها " بفتح الهمزة ومعناه أظهرها . وكذا روى أبو عبيد عن الكسائي عن محمد بن سهل عن وفاء بن إياس عن سعيد بن جبير . قال النحاس : وليس لهذه الرواية طريق غير هذا . قال القرطبي : وكذا رواه ابن الأنباري في كتاب الرد قال : حدثني أبي حدثنا محمد بن الجهم ، حدثنا الفراء حدثنا الكسائي فذكره . قال النحاس : وأجود من هذا الإسناد ما رواه يحيى القطان عن الثوري عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير أنه قرأ " أخفيها " بضم الهمزة . قال ابن الأنباري : قال الفراء : ومعنى قراءة الفتح أكاد أظهرها ، من خفيت الشئ إذا أظهرته أخفيه . قال القرطبي : وقد قال بعض اللغويين : يجوز أن يكون أخفيها بضم الألف معناه أظهرها ، لأنه يقال خفيت الشئ وأخفيته من حروف الأضداد يقع على الستر والإظهار . قال أبو عبيدة : خفيت وأخفيت بمعنى واحد . قال النحاس : وهذا حسن ، وقد أنشد الفراء وسيبويه ما يد على أن معنى أخفاه أظهر ، وذلك قول امرئ القيس : فإن تكتموا الداء لا نخفه * وإن تبعثوا الحرب لا نقعد أي : وإن تكتموا الداء لا نظهره . وقد حكى أبو عبيدة عن أبي الخطاب أنه بضم النون من نخفه ، وقال : امرؤ القيس : خفاهن من أنفاقهن كأنما * خطاهن ودق من غشى مخلب أي : أظهرهن . وقد زيف النحاس هذا القول وقال : ليس المعنى على أظهرها ، ولا سيما وأخفيها قراءة شاذة ، فكيف ترد القراءة الصحيحة الشائعة . وقال ابن الأنباري : في الآية تفسير آخر ، وهو أن الكلام ينقطع على أكاد ، وبعده مضمر : أي أكاد آتي بها ، ووقع الابتداء بأخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى ، ومثله قول عمير ابن ضابئ البرجمي : هممت ولم أفعل وكدت وليتني * تركت على عثمان تبكي حلائله أي وكدت أفعل ، واختار هذا النحاس . وقال أبو علي الفارسي : هو من باب السلب وليس من الأضداد ، ومعنى أخفيها : أزيل عنها خفاءها ، وهو سترها ، ومن هذا قولهم أشكيته : أي أزلت شكواه . وحكى أبو حاتم عن الأخفش أن أكاد زائدة للتأكيد ، قال : ومثله - إذا أخرج يده لم يكد يراها - ومثله قول الشاعر : سريع إلى الهيجاء شاك سلاحه * فما أن يكاد قرنه يتنفس قال : والمعنى أكاد أخفيها : أي أقارب ذلك ، لأنك إذا قلت : كاد زيد يقوم جاز أن يكون قام وأن يكون لم يقم ، ودل على أنه قد أخفاها بدلالة غير هذه الآية على هذا ، وقوله ( لتجزى كل نفس بما تسعى ) متعلق بآتية ، أو بأخفيها ، وما مصدرية : أي لتجزى كل نفس بسعيها ، والسعي وإن كان ظاهرا في الأفعال ، فهو هنا يعم الأفعال والتروك ، للقطع بأن تارك ما يجب عليه معاقب بتركه مأخوذ به ( فلا يصدنك عنها ) أي لا يصرفنك عن الإيمان بالساعة ، والتصديق بها ، أو عن ذكرها ومراقبتها ( من لا يؤمن بها ) من الكفرة ، وهذا النهي وإن كان للكافر بحسب الظاهر ، فهو في الحقيقة نهي له صلى الله عليه وآله وسلم عن الانصداد ، أو عن إظهار اللين للكافرين فهو من باب : لا أرينك ها هنا ، كما هو معروف . وقيل الضمير في عنها للصلاة وهو بعيد ، وقوله ( واتبع هواه )