الشوكاني

357

فتح القدير

لكونهما أعظم ما يشاهده العباد من مخلوقاته عز وجل ، والعلى : جمع العليا : أي المرتفعة كجمع كبرى وصغرى على كبر وصغر . ومعنى الآية إخبار العباد عن كمال عظمته سبحانه وعظيم جلاله ، وارتفاع ( الرحمن ) على أنه خبر مبتدأ محذوف كما قال الأخفش ، ويجوز أن يكون مرتفعا على المدح أو على الابتداء . وقرئ بالجر ، قال الزجاج على البدل ممن ، وجوز النحاس أن يكون مرتفعا على البدل من المضمر في خلق ، وجملة ( على العرش استوى ) في محل رفع على أنها خبر لمبتدأ محذوف ، أو على أنها خبر الرحمن عند من جعله مبتدأ . قال أحمد بن يحيى : قال ثعلب : الاستواء الإقبال على الشئ ، وكذا قال الزجاج والفراء . وقيل هو . كناية عن الملك والسلطان ، والبحث في تحقيق هذا يطول ، وقد تقدم البحث عنه في الأعراف . والذي ذهب إليه أبو الحسن الأشعري أنه سبحانه مستو على عرشه بغير حد ولا كيف ، وإلى هذا القول سبقه الجماهير من السلف الصالح الذي يمرون الصفات كما وردت من دون تحريف ولا تأويل ( له ما في السماوات وما في الأرض ) أي أنه مالك كل شئ ومدبره ( وما بينهما ) من الموجودات ( وما تحت الثرى ) الثرى في اللغة التراب الندي : أي ما تحت التراب من شئ . قال الواحدي : والمفسرون يقولون إنه سبحانه أراد الثرى الذي تحت الصخرة التي عليها الثور الذي تحت الأرض ولا يعلم ما تحت الثرى إلا الله سبحانه ( وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى ) الجهر بالقول هو رفع الصوت به والسر ما حدث به الإنسان غيره وأسره إليه ، والأخفى من السر هو ما حدث به الإنسان نفسه وأخطره بباله . والمعنى : إن تجهر بذكر الله ودعائه فاعلم أنه غنى عن ذلك ، فإنه يعلم السر وما هو أخفى من السر ، فلا حاجة لك إلى الجهر بالقول ، وفى هذا معنى النهي عن الجهر كقوله سبحانه - واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة - وقيل السر ما أسر الإنسان في نفسه ، والأخفى منه هو ما خفي على ابن آدم مما هو فاعله وهو لا يعلمه وقيل السر ما أضمره الإنسان في نفسه ، والأخفى منه ما لم يكن ولا أضمره أحد ، وقيل السر سر الخلائق ، والأخفى منه سر الله عز وجل ، وأنكر ذلك ابن جرير وقال : إن الأخفى ما ليس في سر الإنسان وسيكون في نفسه . ثم ذكر أن الموصوف بالعبادة على الوجه المذكور هو الله سبحانه المنزه عن الشريك المستحق لتسميته بالأسماء الحسنى فقال ( الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى ) فالله خبر مبتدأ محذوف : أي الموصوف بهذه الصفات الكمالية الله ، وجملة لا إله إلا هو مستأنفة لبيان اختصاص الإلهية به سبحانه : أي لا إله في الوجود إلا هو ، وهكذا جملة له الأسماء الحسنى مبينة لاستحقاقه تعالى للأسماء الحسنى ، وهى التسعة والتسعون التي ورد بها الحديث الصحيح . وقد تقدم بيانها في قوله سبحانه - ولله الأسماء الحسنى - من سورة الأعراف ، والحسنى تأنيث الأحسن ، والأسماء مبتدأ وخبرها الحسنى ، ويجوز أن يكون الله مبتدأ وخبره الجملة التي بعده ، ويجوز أن يكون بدلا من الضمير في يعلم . ثم قرر سبحانه أمر التوحيد بذكر قصة موسى المشتملة على القدرة الباهرة ، والخبر الغريب ، فقال ( وهل أتاك حديث موسى ) الاستفهام للتقرير ، ومعناه : أليس قد أتاك حديث موسى ، وقيل معناه : قد أتاك حديث موسى ، وقال الكلبي : لم يكن قد أتاه حديث موسى إذ ذاك . وفى سياق هذه القصة تسلية للنبي صلى الله عليه وآله وسلم لما يلاقيه من مشاق أحكام النبوة ، وتحمل أثقالها ومقاساة خطوبها ، وأن ذلك شأن الأنبياء قبله . والمراد بالحديث القصة الواقعة لموسى ، و ( إذ رأى نارا ) ظرف للحديث ، وقيل العامل فيه مقدر : أي أذكر ، وقيل يقدر مؤخرا : أي حين رأى نارا كان كيت وكيت ، وكانت رؤيته للنار في ليلة مظلمة لما خرج مسافرا إلى أمه بعد استئذانه لشعيب ( ف‍ ) لما رآها ( قال لأهله امكثوا ) والمراد بالأهل هنا امرأته ، والجمع لظاهر لفظ الأهل أو للتفخيم ، وقيل المراد بهم المرأة والولد والخادم ، ومعنى امكثوا أقيموا مكانكم ، وعبر بالمكث دون الإقامة ، لأن