الشوكاني
348
فتح القدير
أصلها زويا فقلبت الواو ياء ، والزي محاسن مجموعة ( قل من كان في الضلالة ) أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وآله وسلم أن يجيب على هؤلاء المفتخرين بحظوظهم الدنيوية : أي من كان مستقرا في الضلالة ( فليمدد له الرحمن مدا ) هذا وإن كان على صيغة الأمر ، فالمراد به الخبر ، وإنما خرج مخرج الأمر لبيان الإمهال منه سبحانه للعصاة ، وأن ذلك كائن لا محالة لتنقطع معاذير أهل الضلال ، ويقال لهم يوم القيامة - أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر - أو للاستدراج كقوله سبحانه - إنما نملي لهم ليزدادوا إثما - وقيل المراد بالآية الدعاء بالمد والتنفيس . قال الزجاج : تأويله أن الله جعل جزاء ضلالته أن يتركه ويمده فيها ، لأن لفظ الأمر يؤكد معنى الخبر كأن المتكلم يقول أفعل ذلك وآمر به نفسي ( حتى إذا رأوا ما يوعدون ) يعني الذين مد لهم في الضلالة ، وجاء بضمير الجماعة اعتبارا بمعنى من ، كما أن قوله " كان في الضلالة فليمدد له " اعتبار بلفظها ، وهذه غاية للمد ، لا لقول المفتخرين إذ ليس فيه امتداد ( إما العذاب وإما الساعة ) هذا تفصيل لقوله ما يوعدون : أي هذا الذي توعدون هو أحد أمرين إما العذاب في الدنيا بالقتل والأسر ، وإما يوم القيامة وما يحل بهم حينئذ من العذاب الأخروي ( فسيعلمون من هو شر مكانا وأضعف جندا ) هذا جواب الشرط ، وهو جواب على المفتخرين : أي هؤلاء القائلون : أي الفريقين خير مقاما ، إذا عاينوا ما يوعدون به من العذاب الدنيوي بأيدي المؤمنين ، أو الأخروي ، فسيعلمون عند ذلك من هو شر مكانا من الفريقين ، وأضعف جندا منهما : أي أنصارا وأعوانا . والمعنى : أنهم سيعلمون عند ذلك أنهم شر مكانا لا خير مكانا ، وأضعف جندا لا أقوى ولا أحسن من فريق المؤمنين ، وليس المراد أن للمفتخرين هنالك جندا ضعفاء ، بل لا جند لهم أصلا كما في قوله سبحانه - ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله وما كان منتصرا - . ثم لما أخبر سبحانه عن حال أهل الضلالة ، أراد أن يبين حال أهل الهداية فقال ( ويزيد الله الذين اهتدوا هدى ) وذلك أن بعض الهدى يجر إلى البعض الآخر ، والخير يدعو إلى الخير ، وقيل المراد بالزيادة العبادة من المؤمنين ، والواو في " ويزيد " للاستئناف ، والجملة مستأنفة لبيان حال المهتدين ، وقيل الواو للعطف على فليمدد ، وقيل للعطف على جملة من كان في الضلالة . قال الزجاج : المعنى أن الله يجعل جزاء المؤمنين أن يزيدهم يقينا كما جعل جزاء الكافرين أن يمدهم في ضلالتهم ( والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا ) هي الطاعات المؤدية إلى السعادة الأبدية ، ومعنى كونها خيرا عند الله ثوابا ، أنها أنفع عائدة مما يتمتع به الكفار من النعم الدنيوية ( وخير مردا ) المرد هاهنا مصدر كالرد ، والمعنى وخير مردا للثواب على فاعلها ليست كأعمال الكفار التي خسروا فيها ، والمرد المرجع والعاقبة والتفضل للتهكم بهم للقطع بأن أعمال الكفار لا خير فيها أصلا . ثم أردف سبحانه مقالة أولئك المفتخرين بأخرى مثلها على سبيل التعجب فقال ( أفرأيت الذي كفر بآياتنا ) أي أخبرني بقصة هذا الكافر واذكر حديثه عقب حديث أولئك ، وإنما استعملوا أرأيت بمعنى أخبر ، لأن رؤية الشئ من أسباب صحة الخبر عنه ، والآيات تعم كل آية ومن جملتها آية البعث ، والفاء للعطف على مقدر يدل عليه المقام : أي أنظرت فرأيت ، واللام في ( لأوتين مالا وولدا ) هي الموطئة للقسم ، كأنه قال : والله لأوتين في الآخرة مالا وولدا : أي انظر إلى حال هذا الكافر وتعجب من كلامه وتأليه على الله مع كفره به وتكذيبه بآياته . ثم أجاب سبحانه عن قول هذا الكافر بما يدفعه ويبطله ، فقال ( أطلع ) على ( الغيب ) أي أعلم ما غاب عنه حتى يعلم أنه في الجنة ( أم اتخذ عند الرحمن عهدا ) بذلك ، فإنه لا يتوصل إلى العلم إلا بإحدى هاتين الطريقتين ، وقيل المعنى : انظر في اللوح المحفوظ ؟ أم اتخذ عند الرحمن عهدا ، وقيل معنى : أم اتخذ عند الرحمن عهدا ؟ أم قال لا إله إلا الله فأرحمه بها ، وقيل المعنى أم قدم عملا صالحا فهو يرجوه ، واطلع مأخوذ من قولهم : اطلع الجبل إذا ارتقى إلى أعلاه .