الشوكاني

344

فتح القدير

أرى جثوتين من تراب عليهما * صفائح صم من صفيح منضد ( ثم لننزعن من كل شيعة ) الشيعة الفرقة التي تبعت دينا من الأديان ، وخصص ذلك الزمخشري فقال : هي الطائفة التي شاعت : أي تبعت غاويا من الغواة قال الله تعالى - إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا - . ومعنى ( أيهم أشد على الرحمن عتيا ) من كان أعصى لله وأعتى فإنه ينزع من كل طائفة من طوائف الغي والفساد أعصاهم وأعتاهم ، فإذا اجتمعوا طرحهم في جهنم . والعتي ها هنا مصدر كالعتو ، وهو التمرد في العصيان . وقيل المعنى : لننزعن من أهل كل دين قادتهم ورؤساهم في الشر . وقد اتفق القراء على قراءة أيهم بالضم إلا هارون الغازي فإنه قرأها بالفتح . وقال الزجاج : في رفع أيهم ثلاثة أقوال : الأول قول الخليل بن أحمد إنه مرفوع على الحكاية . والمعنى : ثم لننزعن من كل شيعة الذين يقال لهم أيهم أشد ، وأنشد الخليل في ذلك قول الشاعر : وقد أبيت من الفتاة بمنزل * فأبيت لا حرج ولا محروم أي فأبيت بمنزلة الذي يقال له هو لا حرج ولا محروم . قال النحاس : ورأيت أبا إسحاق يعنى الزجاج يختار هذا القول ويستحسنه . القول الثاني قول يونس : وهو أن لننزعن بمنزلة الأفعال التي تلغى وتعلق ، فهذا الفعل عنده معلق عن العمل في أي ، وخصص الخليل وسيبويه وغيرهما التعليق بأفعال الشك ونحوها مما لم يتحقق وقوعه . القول الثالث قول سيبويه ، إن أيهم ها هنا مبنى على الضم ، لأنه خالف أخواته في الحذف ، وقد غلط سيبويه في قوله هذا جمهور النحويين حتى قال الزجاج : ما تبين لي أن سيبويه غلط في كتابه إلا في موضعين هذا أحدهما ، وللنحويين في إعراب أيهم هذه في هذا الموضع كلام طويل ( ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صليا ) يقال صلى يصلي صليا مثل مضى الشئ يمضي مضيا ، قال الجوهري : يقال صليت الرجل نارا إذا أدخلته النار وجعلته يصلاها ، فإن ألقيته إلقاء كأنك تريد الإحراق قلت : أصليته بالألف وصليته تصلية ومنه - ويصلى سعيرا - ومن خفف فهو من قولهم : صلى فلان النار بالكسر يصلى صليا احترق ، قال الله تعال ( الذين هم أولى بها صليا ) قال العجاج : * والله لولا النار أن تصلاها * ومعنى الآية : أن هؤلاء الذين هم أشد على الرحمن عتيا هم أولى بصليها أو صليهم أولى بالنار ( وإن منكم إلا واردها ) الخطاب للناس من غير التفات ، أو للإنسان المذكور ، فيكون التفاتا : أي ما منكم من أحد إلا واردها : أي واصلها . وقد اختلف الناس في هذا الورود ، فقيل الورود الدخول ويكون على المؤمنين بردا وسلاما كما كانت على إبراهيم . وقالت فرقة : الورود هو المرور على الصراط ، وقيل ليس الورود الدخول إنما هو كما يقول وردت البصرة ولم أدخلها ، وقد توقف كثير من العلماء عن تحقيق هذا الورود ، وحمله على ظاهره لقوله تعالى - إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون - قالوا : فلا يدخل النار من ضمن الله أن يبعده عنها ، ومما يدل على أن الورود لا يستلزم الدخول قوله تعالى - ولما ورد ماء مدين - فإن المراد أشرف عليه لا أنه دخل فيه ، ومنه قول زهير فلما وردن الماء زرقا حمامة * وضعن عصى الحاضر المتخيم ولا يخفى أن القول بأن الورود هو المرور على الصراط . أو الورود على جهنم وهى خامدة فيه جمع بين الأدلة من الكتاب والسنة ، فينبغي حمل هذه الآية على ذلك ، لأنه قد حصل الجمع بحمل الورود على دخول النار مع كون الداخل من المؤمنين مبعدا من عذابهما ، أو بحمله على المضي فوق الجسر المنصوب عليها ، وهو الصراط ( كان على ربك حتما مقضيا ) أي كان ورودهم المذكور أمرا محتوما قد قضى سبحانه أنه لا بد من وقوعه لا محالة ،