الشوكاني

336

فتح القدير

كان يعبدها آزر . أورد إبراهيم عليه السلام على أبيه الدلائل والنصائح ، وصدر كلا منها بالنداء المتضمن للرفق واللين استمالة لقلبه ، وامتثالا لأمر ربه ، ثم كرر دعوته إلى الحق فقال ( يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك ) أخبر أنه قد وصل إليه من العلم نصيب لم يصل إلى أبيه . وأنه قد تجدد له حصول ما يتوصل به منه إلى الحق ، ويقتدر به على إرشاد الضال ، ولهذا أمره باتباعه فقال ( فاتبعني أهدك صراطا سويا ) مستويا موصلا إلى المطلوب منجيا من المكروه ، ثم أكد ذلك بنصيحة أخرى زاجرة له عما هو فيه فقال ( يا أبت لا تعبد الشيطان ) أي لا تطعه ، فإن عبادة الأصنام هي من طاعة الشيطان ، ثم علل ذلك بقوله ( إن الشيطان كان للرحمن عصيا ) حين ترك ما أمره به من السجود لآدم ، ومن أطاع من هو عاص لله سبحانه فهو عاص لله ، والعاصي حقيق بأن تسلب عنه النعم وتحل به النقم . قال الكسائي : العصي والعاصي بمعنى واحد ، ثم بين له الباعث على هذه النصائح فقال ( يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن ( قال الفراء : معنى أخاف هنا أعلم . وقال الأكثرون : إن الخوف هنا محمول على ظاهره ، لأن إبراهيم غير جازم بموت أبيه على الكفر ، إذ لو كان جازما بذلك لم يشتغل بنصحه ، ومعنى الخوف على الغير : هو أن يظن وصول الضرر إلى ذلك الغير ( فتكون للشيطان وليا ) أي إنك إذا أطعت الشيطان كنت معه في النار واللعنة ، فتكون بهذا السبب مواليا ، أو تكون بسبب موالاته في العذاب معه ، وليس هناك ولاية حقيقية لقوله سبحانه - الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو - وقيل الولي بمعنى التالي ، وقيل الولي بمعنى القريب : أي تكون للشيطان قريبا منه في النار ، فلما مرت هذه النصائح النافعة والمواعظ المقبولة بسمع آزر قابلها بالغلظة والفظاظة والقسوة ، ف‍ ( قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم ) والاستفهام للتقريع والتوبيخ والتعجيب ، والمعنى : أمعرض أنت عن ذلك ومنصرف إلى غيره ؟ ثم توعده فقال ( لئن لم تنته لأرجمنك ) أي بالحجارة ، وقيل باللسان ، فيكون معناه لأشتمنك ، وقيل معناه لأضربنك ، وقيل لأظهرن أمرك ( واهجرني مليا ) أي زمانا طويلا . قال الكسائي : يقال هجرته مليا وملوة وملاوة ، بمعنى الملاوة من الزمان ، وهو الطويل ، ومنه قول مهلهل : فتصدعت صم الجبال لموته * وبكت عليه المرملات مليا وقيل معناه : اعتزلني سالم العرض لا تصيبك مني معرة ، واختار هذا ابن جرير ، فمليا على هذا منتصب على الحال من إبراهيم وعلى القول الأول منتصب على الظرفية ، فلما رأى إبراهيم إصرار أبيه على العناد ( قال سلام عليك ) أي تحية توديع ومتاركة كقوله - وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما وقيل معناه : أمنة منى لك ، قاله ابن جرير ، وإنما أمنه مع كفره لأنه لم يؤمر بقتاله ، والأول أولى . وبه قال الجمهور ، وقيل معناه : الدعاء له بالسلامة ، استمالة له ورفقا به ثم وعده بأن يطلب له المغفرة من الله سبحانه تألفا له وطمعا في لينه وذهاب قسوته : والشيخ لا يترك أخلاقه * حتى يوارى في ثرى رمسه وكان منه هذا الوعد قبل أن يعلم أنه يموت على الكفر ، وتحق عليه الكلمة ، ولهذا قال الله سبحانه في موضع آخر - فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه - بعد قوله - وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه - وجملة ( إنه كان بي حفيا ) تعليل لما قبلها ، والمعنى سأطلب لك المغفرة من الله ، فإنه كان بي كثير البر واللطف ، يقال حفي به وتحفى إذا بره . قال الكسائي : يقال حفى بي حفاوة وحفوة . وقال الفراء : إنه كان بي حفيا : أي عالما لطيفا يجيبني إذا دعوته . ثم صرح الخليل بما تضمنه سلامه من التوديع والمتاركة فقال ( وأعتزلكم وما تدعون من دون الله ) أي أهاجر بديني عنكم وعن معبوداتكم حيث لم تقبلوا نصحي ولا نجعت فيكم دعوتي ( وأدعوا ربى )