الشوكاني
333
فتح القدير
فذلك قوله ( إني عبد الله آتاني الكتاب ) . وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله ( آتاني الكتاب ) الآية ، قال : قضى أن أكون كذلك . وأخرج الإسماعيلي في معجمه وأبو نعيم في الحلية وابن مردويه وابن النجار عن أبي هريرة قال " قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قول عيسى ( وجعلني مباركا أين ما كنت ) قال : جعلني نفاعا للناس أينما اتجهت " . وأخرج ابن عدي وابن عساكر عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قوله ( وجعلني مباركا ) قال : معلما ومؤدبا . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ( ولم يجعلني جبارا شقيا ) يقول : عصيا . سورة مريم الآية ( 34 - 40 ) الإشارة بقوله ( ذلك ) إلى المتصف بالأوصاف السابقة . قال الزجاج : ذلك الذي قال إني عبد الله عيسى ابن مريم ، لا ما تقوله النصارى من أنه ابن الله وأنه إله . وقرأ ابن عامر وعاصم ويعقوب ( قول الحق ) بالنصب . وقرأ الباقون بالرفع . فوجه القراءة الأولى أنه منتصب على المدح ، أو على أنه مصدر مؤكد لقال إني عبد الله قاله الزجاج . ووجه القراءة الثانية أنه نعت لعيسى : أي ذلك عيسى ابن مريم قول الحق ، قاله الكسائي . وسمى قول الحق كما سمى كلمة الله ، والحق هو الله عز وجل . وقال أبو حاتم : المعنى هو قول الحق ، وقيل التقدير : هذا لكلام قول الحق ، وهو من باب إضافة الموصوف إلى الصفة مثل حق اليقين ، وقيل الإضافة للبيان ، وقرئ قال الحق " وروى ذلك عن ابن مسعود ، وقرأ الحسن " قول الحق " بضم القاف ، والقول والقول والقال والمقال بمعنى واحد . و ( الذي فيه يمترون ) صفة لعيسى : أي ذلك عيسى ابن مريم الذي فيه يمترون قول الحق ، ومعنى يمترون يختلفون على أنه من المماراة ، أو يشكو على أنه من المرية . وقد وقع الاختلاف في عيسى ، فقالت اليهود هو ساحر ، وقالت النصارى هو ابن الله ( ما كان لله أن يتخذ من ولد ) أي ما صح ولا استقام ذلك ، فأن في محل رفع على أنها اسم كان . قال الزجاج : من في " من ولد " مؤكدة تدل على نفى الواحد والجماعة ، ثم نزه سبحانه نفسه فقال ( سبحانه ) أي تنزه وتقدس عن مقالتهم هذه ، ثم صرح سبحانه بما هو شأنه - تعالى سلطانه - فقال ( إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون ) أي إذا قضى أمرا من الأمور فيكون حينئذ بلا تأخير . وقد سبق الكلام على هذا مستوفى في البقرة . وفى إيراده في هذا الموضع تبكيت عظيم للنصارى : أي من كان هذا شأنه كيف يتوهم أن يكون له ولد ؟ ( وأن الله ربى وربكم فاعبدوه ) قرأ أهل المدينة وابن كثير وأبو عمرو بفتح أن . وقرأ ابن عامر وأهل الكوفة بكسرها ، وهو من تمام كلام عيسى ، وقرأ أبى " إن الله " بغير واو ، قال الخليل