الشوكاني

34

فتح القدير

النسوة وسكت عن امرأة العزيز رعاية لذمام الملك العزيز ، أو خوفا منه من كيدها وعظيم شرها - وذكر السؤال عن تقطيع الأيدي ولم يذكر مراودتهن له ، تنزها منه عن نسبة ذلك إليهن ، ولذلك لم ينسب المراودة فيما تقدم إلى امرأة العزيز إلا بعد أن رمته بدائها وانسلت . وقد اكتفى هنا بالإشارة الإجمالية بقوله ( إن ربى بكيدهن عليم ) فجعل علم الله سبحانه بما وقع عليه من الكيد منهن مغنيا عن التصريح ، وجملة ( قال فما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه ) مستأنفة جواب سؤال مقدر . كأنه قيل : فماذا قال الملك بعد أن أبلغه الرسول ما قال يوسف ؟ والخطب : الشأن العظيم الذي يحق له أن يخاطب فيه صاحبه خاصة . والمعنى : ما شأنكن إذا راودتن يوسف عن نفسه . وقد تقدم معنى المراودة ، وإنما نسب إليهن المراودة ، لأن كل واحدة منهن وقع منها ذلك كما تقدم ، ومن جملة من شمله خطاب الملك امرأة العزيز ، أو أراد بنسبة ذلك إليهن وقوعه منهن في الجملة كما كان من امرأة العزيز تحاشيا عن التصريح منه بنسبة ذلك إليها لكونها امرأة وزيره وهو العزيز ، فأجبن عليه بقولهن ( قلن حاش لله ) أي معاذ الله ( ما علمنا عليه من سوء ) أي من أمر سئ ينسب إليه ، فعند ذلك ( قالت امرأة العزيز ) منزهة لجانبه مقرة على نفسها بالمراودة له ( الآن حصحص الحق ) أي تبين وظهر . وأصله حص ، فقيل حصحص كما قيل في كبوا كبكبوا ، قاله الزجاج ، وأصل الحص : استئصال الشئ ، يقال حص شعره : إذا استأصله ، ومنه قول أبي قيس بن الأسلت : قد حصت البيضة رأسي فما * أطعم نوما غير تهجاع والمعنى أنه انقطع الحق عن الباطل بظهوره وبيانه ، ومنه : فمن مبلغ عني خداشا فإنه * كذوب إذا ما حصحص الحق ظالم وقيل هو مشتق من الحصة . والمعنى : بانت حصة الباطل . قال الخليل : معناه ظهر الحق بعد خفائه ، ثم أوضحت ذلك بقولها ( أنا راودته عن نفسه ) ولم تقع منه المراودة لي أصلا ( وإنه لمن الصادقين ) فيما قاله من تبرئة نفسه ونسبة المراودة إليها ، وأرادت بالآن زمان تكلمها بهذا الكلام . قوله ( ذلك ليعلم أنى لم أخنه بالغيب ) ذهب أكثر المفسرين إلى هذا من كلام يوسف عليه السلام . قال الفراء : ولا يبعد وصل كلام إنسان بكلام إنسان آخر إذا دلت القرينة الصارفة لكل منهما إلى ما يليق به ، والإشارة إلى الحادثة الواقعة منه ، وهى تثبته وتأنيه : أي فعلت ذلك ليعلم العزيز أني لم أخنه في أهله بالغيب ، والمعنى بظهر الغيب ، والجار والمجرور في محل نصب على الحال : أي وهو غائب عني ، أو وأنا غائب عنه . قيل إنه قال ذلك وهو في السجن بعد أن أخبره الرسول بما قالته النسوة ، وما قالته امرأة العزيز ، وقيل إنه قال ذلك وقد صار عند الملك ، والأول أولى . وذهب الأقلون من المفسرين إلى أن هذا من كلام امرأة العزيز ، والمعنى : ذلك القول الذي قلته في تنزيهه ، والإقرار على نفسي بالمراودة ليعلم يوسف أني لم أخنه فأنسب إليه ما لم يكن منه وهو غائب عني ، أو وأنا غائبة عنه ( وأن الله لا يهدى كيد الخائنين ) أي لا يثبته ويسدده ، أولا يهديهم في كيدهم حتى يوقعوه على وجه يكون له تأثير يثبت به ويدوم وإذا كان من قول يوسف ففيه تعريض بامرأة العزيز حيث وقع منها الكيد له والخيانة لزوجها ، وتعريض بالعزيز حيث ساعدها على حبسه بعد أن علم براءته ونزاهته ( وما أبرئ نفسي ) إن كان من كلام يوسف فهو من باب الهضم للنفس ، وعدم التزكية بها مع أنه قد علم هو وغيره من الناس أنه برئ وظهر ذلك ظهور الشمس ، وأقرت به المرأة التي ادعت عليه الباطل ، ونزهته النسوة اللاتي قطعن أيديهن ، وإن كان من كلام امرأة العزيز فهو واقع على الحقيقة ، لأنها قد أقرت بالذنب ، واعترفت بالمراودة وبالافتراء على يوسف . وقد قيل إن هذا من قول العزيز