الشوكاني
330
فتح القدير
أي صمتا ، وقيل المراد به الصوم الشرعي ، وهو الإمساك عن المفطرات ، والأول أولى . وفى قراءة أبى " إني نذرت للرحمن صوما صمتا " بالجمع بين اللفظين ، وكذا روى عن أنس . وروى عنه أنه قرأ " صوما وصمتا " بالواو ، والذي عليه جمهور المفسرين أن الصوم هنا الصمت ، ويدل عليه ( فلن أكلم اليوم إنسيا ) ومعنى الصوم في اللغة أوسع من المعنيين . قال أبو عبيدة : كل ممسك عن طعام أو كلام أو سير فهو صائم . وقراءة أبى تدل على أن المراد بالصوم هنا الصمت ، لأنه تفسير للصوم . وقراءة أنس تدل على أن الصوم هنا غير الصمت كما تفيده الواو . ومعنى ( فلن أكلم اليوم إنسيا ) أنها لا تكلم أحدا من الإنس بعد إخبارهم بهذا الخبر ، بل إنما تكلم الملائكة وتناجي ربها ، وقيل إنها لم تخبرهم هنا باللفظ ، بل بالإشارة المفيدة للنذر . وقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ( انتبذت من أهلها مكانا شرقيا ) قال : مكانا أظلها الشمس أن يراها أحد منهم . وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه قال : إنما اتخذت النصارى المشرق قبلة ، لأن مريم اتخذت من أهلها مكانا شرقيا ، فاتخذوا ميلاده قبلة ، وإنما سجدت اليهود على حرف حين نتق فوقهم الجبل ، فجعلوا ينحرفون وهم ينظرون إليه ، يتخوفون أن يقع عليهم ، فسجدوا سجدة رضيها الله ، فاتخذوها سنة . وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات وابن عساكر من طريق السدى عن أبي مالك عن ابن عباس . وعن مرة عن ابن مسعود قالا : خرجت مريم بنت عمران إلى جانب المحراب لحيض أصابها ، فلما طهرت إذا هي برجل معها ( فتمثل لها بشرا ) ففزعت و ( قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا ) فخرجت وعليها جلبابها ، فأخذ بكمها فنفخ في جنب درعها ، وكان مشقوقا من قدامها ، فدخلت النفخة صدرها فحملت ، فأتتها أختها امرأة زكرياء ليلة تزورها ، فلما فتحت لها الباب التزمتها ، فقالت امرأة زكرياء : يا مريم أشعرت أني حبلى ، قالت مريم : أشعرت أنى حبلى ، فقالت امرأة زكرياء : فإني وجدت ما في بطني سجد للذي في بطنك ، فذلك قوله تعالى - مصدقا بكلمة من الله - فولدت امرأة زكرياء يحيى ، ولما بلغ أن تضع مريم خرجت إلى جانب ( المحراب فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة قالت يا ليتني مت قبل هذا ) الآية ( فناداها ) جبريل ( من تحتها ألا تحزني ) فلما ولدته ذهب الشيطان ، فأخبر بني إسرائيل أن مريم ولدت ، فلما أرادوها على الكلام أشارت إلى عيسى فتكلم ف ( قال إني عبد الله آتاني الكتاب ) الآيات ، ولما ولد لم يبق في الأرض صنم إلا خر لوجهه . وأخرج عبد الرزاق والفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في مريم قال : حين حملت وضعت . وأخرج ابن عساكر عنه قال : وضعت لثمانية أشهر . وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله ( فأرسلنا إليها روحنا ) قال : جبريل . وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن سعيد بن جبير نحوه . وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء نحوه أيضا . وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات وابن عساكر عن أبي بن كعب في الآية قال : تمثل لها روح عيسى في صورة بشر فحملته ، قال حملت الذي خاطبها دخل في فيها . وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله ( مكانا قصيا ) قال : نائيا . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه في قوله ( إلى جذع النخلة ) قال : كان جذعا يابسا . وأخرج ابن جرير وابن المنذر عنه أيضا في قوله ( وكنت نسيا منسيا ) قال لم أخلق ولم أك شيئا . وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة ( وكنت نسيا منسيا ) قال : حيضة ملقاة . وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد نحوه وأخرج عبد بن حميد عن نوف البكالي والضحاك مثله ، وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة في قوله ( فناداها من تحتها ) قال : الذي ناداها جبريل . وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال : الذي ناداها