الشوكاني

325

فتح القدير

آخر أنبياء بني إسرائيل زكريا بن أزر بن مسلم من ذرية يعقوب دعا ربه سرا ( قال رب إني وهن العظم منى ) إلى قوله ( خفت الموالي ) قال : وهم العصبة ( يرثني ) يرث نبوتي ونبوة آل يعقوب ، فنادته الملائكة ، وهو جبريل : إن الله يبشرك ( بغلام اسمه يحيى ) فلما سمع النداء جاءه الشيطان فقال : يا زكريا إن الصوت الذي سمعت ليس من الله إنما هو من الشيطان سخر بك ، فشك وقال ( أنى يكون لي غلام ) يقول من أين يكون وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر ، قال الله ( وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا ) . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ( وإني خفت الموالي من ورائي ) قال : الورثة : وهم عصبة الرجل . وأخرج الفريابي عنه قال : كان زكريا لا يولد له فسأل ربه فقال ( رب هب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب ) قال : يرث مالي ويرث من آل يعقوب النبوة . وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن عباس في قوله ( لم نجعل له من قبل سميا ) قال : مثلا . وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وأبو داود وابن جرير والحاكم وصححه وابن مردويه عنه قال : لا أدري كيف كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقرأ هذا الحرف عتيا أو عسيا . وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء في قوله ( عتيا ) قال : لبث زمانا في الكبر . وأخرج أيضا عن السدى قال : هرما . وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله ( ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا ) قال : اعتقل لسانه من غير مرض ، وفى لفظ من غير خرس ، أخرجه ابن المنذر وابن أبي حاتم . وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا ( فأوحى إليهم ) قال : كتب لهم كتابا . وأخرج ابن أبي الدنيا والحاكم وصححه عن ابن عباس في قوله ( أن سبحوا ) قال : أمرهم بالصلاة ( بكرة وعشيا ) . سورة مريم الآية ( 12 - 15 ) قوله ( يا يحيى ) هاهنا حذف ، وتقديره : وقال الله للمولود يا يحيى . أو فولد له مولود فبلغ المبلغ الذي يجوز أن يخاطب فيه ، فقلنا له يا يحيى . وقال الزجاج : المعنى فوهبنا له وقلنا له يا يحيى . والمراد بالكتاب التوراة لأنه المعهود حينئذ ، ويحتمل أن يكون كتابا مختصا به وإن كنا لا نعرفه الآن ، والمراد بالأخذ إما الأخذ الحسي أو الأخذ من حيث المعنى ، وهو القيام بما فيه كما ينبغي ، وذلك بتحصيل ملكة تقتضي سهولة الإقدام على المأمور به ، والإحجام عن المنهي عنه ، ثم أكده بقوله ( بقوة ) أي بجد وعزيمة واجتهاد ( وآتيناه الحكم صبيا ) المراد بالحكم الحكمة ، وهى الفهم للكتاب الذي أمر بأخذه وفهم الأحكام الدينية ، وقيل هي العلم وحفظه والعمل به ، وقيل النبوة ، وقيل العقل ، ولا مانع من أن يكون الحكم صالحا لحمله على جميع ما ذكر . قيل كان يحيى عند هذا الخطاب له ابن سنتين ، وقيل ابن ثلاث ( وحنانا من لدنا ) معطوف على الحكم . قال جمهور المفسرين : الحنان الرحمة والشفقة والعطف والمحبة ، وأصله توقان النفس ، مأخوذ من حنين الناقة على ولدها . قال أبو عبيدة : تقول حنانك يا رب وحنانيك يا رب بمعنى واحد ، يريد رحمتك . قال طرفة : أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا * حنانيك بعض الشر أهون من بعض