الشوكاني

313

فتح القدير

جانبا الجبل . قال الأزهري : يقال لجانبي الجبل صدفان إذا تحاذيا لتصادفهما : أي تلاقيهما ، وكذا قال أبو عبيدة والهروي . قال الشاعر : كلا الصدفين ينفده سناها * توقد مثل مصباح الظلام وقد يقال لكل بناء عظيم مرتفع صدف ، قاله أبو عبيدة . قرأ نافع وحمزة والكسائي وحفص الصدفين بفتح الصاد والدال . وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو ويعقوب واليزيدي وابن محيصن بضم الصاد والدال . وقرأ عاصم في رواية أبي بكر بضم الصاد وسكون الدال . وقرأ ابن الماجشون بفتح الصاد وضم الدال ، واختار القراءة الأولى أبو عبيد لأنها أشهر اللغات . ومعنى الآية : أنهم أعطوه زبر الحديد ، فجعل يبني بها بين الجبلين حتى ساواهما ( قال انفخوا ) أي قال للعملة انفخوا على هذه الزبر بالكيران ( حتى إذا جعله نارا ) أي جعل ذلك المنفوخ فيه . وهو الزبر نارا : أي كالنار في حرها وإسناد الجعل إلى ذي القرنين مجاز لكونه الآمر بالنفخ . قيل كان يأمر بوضع طاقة من الزبر والحجارة ثم يوقد عليها الحطب والفحم بالمنافخ حتى تحمى ، والحديد إذا أوقد عليه صار كالنار ، ثم يؤتى بالنحاس المذاب فيفرغه على تلك الطاقة ، وهو معنى قوله ( قال آتوني أفرغ عليه قطرا ) قال أهل اللغة : القطر النحاس الذائب ، والإفراغ : الصب ، وكذا قال أكثر المفسرين . وقالت طائفة : القطر الحديد المذاب . وقالت فرقة أخرى منهم ابن الأنباري : هو الرصاص المذاب ( فما اسطاعوا ) أصله استطاعوا ، فلما اجتمع المتقاربان وهما التاء والطاء خففوا بالحذف . قال ابن السكيت : يقال ما أستطيع ، وما أسطيع ، وما أستيع . حديث وبالتخفيف قرأ الجمهور وقرأ حمزة وحده " فما اسطاعوا " بتشديد الطاء كأنه أراد استطاعوا فأدغم التاء في الطاء وهى قراءة ضعيفة الوجه ، قال أبو علي الفارسي : هي غير جائزة . وقرأ الأعمش " فما استطاعوا " على الأصل ، ومعنى ( أن يظهروه ) أن يعلوه : أي فما استطاع يأجوج ومأجوج أن يعلوا على ذلك الردم لارتفاعه وملاسته ( وما استطاعوا له نقبا ) يقال نقبت الحائط : إذا خرقت فيه خرقا فخلص إلى ما وراءه . قال الزجاج : ما قدروا أن يعلوا عليه لارتفاعه وانملاسه ، وما استطاعوا أن ينقبوه من أسفله لشدته وصلابته ( قال هذا رحمة من ربى ) أي قال ذو القرنين مشيرا إلى السد : هذا السد رحمة من ربي : أي أثر من آثار رحمته لهؤلاء المتجاوزين للسد ولمن خلفهم ممن يخشى عليه معرتهم لو لم يكن ذلك السد ، وقيل الإشارة إلى التمكين من بنائه ( فإذا جاء وعد ربى ) أي أجل ربي أن يخرجوا منه ، وقيل هو مصدر بمعنى المفعول ، وهو يوم القيامة ( جعله دكاء ) أي مستويا بالأرض ومنه قوله - حتى إذا دكت الأرض دكا - . قال الترمذي : أي مستويا ، يقال ناقة دكاء : إذا ذهب سنامها . وقال القتيبي أي جعله مدكوكا ملصقا بالأرض . وقال الحليمي : قطعا متكسرا . قال الشاعر : * هل غير غار دك غارا فانهدم * قال الأزهري : دككته : أي دققته . ومن قرأ دكاء بالمد وهو عاصم وحمزة والكسائي أراد التشبيه بالناقة الدكاء ، وهى التي لا سنام لها : أي مثل دكاء : لأن السد مذكر فلا يوصف بدكاء . وقرأ الباقون " دكا " بالتنوين على أنه مصدر ، ومعناه ما تقدم ، ويجوز أن يكون مصدرا بمعنى الحال : أي مدكوكا ( وكان وعد ربى حقا ) أي وعده بالثواب والعقاب ، أو الوعد المعهود حقا ثابتا لا يتخلف ، وهذا آخر قول ذي القرنين . وقد أخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله ( حتى إذا بلغ بين السدين ) قال : الجبلين أرمينية وأذربيجان . وأخرج أيضا عن ابن جريج ( لا يكادون يفقهون قولا ) قال : الترك . وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن عباس قال : يأجوج ومأجوج شبر وشبران وأطولهم ثلاثة أشبار ، وهم من ولد آدم