الشوكاني

299

فتح القدير

موسى أن الحوت اتخذ سبيله عجبا للناس ، وموضع التعجب أن يحيا حوت قد مات وأكل شقه ، ثم يثب إلى البحر ويبقى أثر جريته في الماء لا يمحو أثرها جريان ماء البحر ، ويحتمل أن يكون من كلام الله سبحانه لبيان طرف آخر من أمر الحوت ، فيكون ما بين الكلامين اعتراضا ( قال ذلك ما كنا نبغي ) أي قال موسى لفتاه ذلك الذي ذكرت من فقد الحوت في ذلك الموضع هو الذي كنا نطلبه ، فإن الرجل الذي نريده هو هنالك ( فارتدا على آثارهما قصصا ) أي رجعا على الطريق التي جاءا منها يقصان أثرهما لئلا يخطئا طريقهما ، وانتصاب قصصا على أنه مصدر لفعل محذوف ، أو على الحال : أي قاصين أو مقتصين ، والقصص في اللغة اتباع الأثر ( فوجدا عبدا من عبادنا ) هو الخضر في قول جمهور المفسرين ، وعلى ذلك دلت الأحاديث الصحيحة ، وخالف في ذلك من لا يعتد بقوله ، فقال ليس هو الخضر بل عالم آخر ، قيل سمى الخضر لأنه كان إذا صلى اخضر ما حوله ، قيل واسمه بليا بن ملكان ، ثم وصفه الله سبحانه فقال ( آتيناه رحمة من عندنا ) قيل الرحمة هي النبوة ، وقيل النعمة التي أنعم الله بها عليه ( وعلمناه من لدنا علما ) وهو ما علمه الله سبحانه من علم الغيب الذي استأثر به ، وفى قوله من لدنا تفخيم لشأن ذلك العلم ، وتعظيم له . قال الزجاج : وفيما فعل موسى وهو من جملة الأنبياء من طلب العلم ، والرحلة في ذلك ما يدل على أنه لا ينبغي لأحد أن يترك طلب العلم وإن كان قد بلغ نهايته ، وأن يتواضع لمن هو أعلم منه . ثم قص الله سبحانه علينا ما دار بين موسى والخضر بعد اجتماعهما فقال ( قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشدا ) في هذا السؤال ملاطفة ومبالغة في حسن الأدب ، لأنه استأذنه أن يكون تابعا له على أن يعلمه مما علمه الله من العلم . والرشد الوقوف على الخير وإصابة الصواب ، وانتصابه على أنه مفعول ثان لتعلمني : أي علما ذا رشد أرشد به ، وقرئ رشدا بفتحتين ، وهما لغتان كالبخل والبخل . وفى الآية دليل على أن المتعلم تبع للعالم وإن تفاوتت المراتب . وليس في ذلك ما يدل على أن الخضر أفضل من موسى ، فقد يأخذ الفاضل عن الفاضل وقد يأخذ الفاضل عن المفضول إذا اختص أحدهما بعلم لا يعلمه الآخر ، فقد كان علم موسى علم الأحكام الشرعية والقضاء بظاهرها ، وكان علم الخضر علم بعض الغيب ومعرفة البواطن ( قال إنك لن تستطيع معي صبرا ) أي قال الخضر لموسى : إنك لا تطيق أن تصبر على ما تراه من علمي ، لأن الظواهر التي هي علمك لا توافق ذلك ، ثم أكد ذلك مشيرا إلى علة عدم الاستطاعة ، فقال ( وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا ) أي كيف تصبر على علم ظاهره منكر ، وأنت لا تعلم ، ومثلك مع كونك صاحب شرع لا يسوغ له السكوت على منكر والإقرار عليه ، وخبرا منتصب على التمييز : أي لم تحط به خبرك : والخبر العلم بالشئ ، والخبير بالأمور هو العالم بخفاياها ، وبما يحتاج إلى الاختبار منها ( قال ستجدني إن شاء الله صابرا ) أي قال موسى للخضر : ستجدني صابرا معك ، ملتزما طاعتك ( ولا أعصى لك أمرا ) فجملة ولا أعصي معطوفة على صابرا ، فيكون التقييد بقوله : إن شاء الله شاملا للصبر ونفى المعصية ، وقيل إن التقييد بالمشيئة مختص بالصبر ، لأنه أمر مستقبل لا يدري كيف يكون حاله فيه ، ونفى المعصية معزوم عليه في الحال ، ويجاب عنه بأن الصبر ، ونفي المعصية متفقان في كون كل واحد منهما معزوم عليه في الحال ، وفى كون كل واحد منهما لا يدري كيف حاله فيه في المستقبل . ( قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شئ ) مما تشاهده من أفعالي المخالفة لما يقتضيه ظاهر الشرع الذي بعثك الله به ( حتى أحدث لك منه ذكرا ) أي حتى أكون أنا المبتدئ لك بذكره ، وبيان وجهه وما يؤول إليه . وهذه الجمل المعنونة بقال وقال مستأنفة ، لأنها جوابات عن سؤالات مقدرة كل واحدة ينشأ السؤال عنها مما قبلها . وقد أخرج الدارقطني في الإفراد وابن عساكر من طريق مقاتل بن سليمان عن الضحاك عن ابن عباس قال :