الشوكاني

295

فتح القدير

سورة الكهف الآية ( 55 - 59 ) لما ذكر سبحانه افتخار الكفرة على فقراء المسلمين بأموالهم وعشائرهم وأجابهم عن ذلك وضرب لهم الأمثال الواضحة ، حكى بعض أهوال الآخرة فقال ( ولقد صرفنا ) أي كررنا ورددنا ( في هذا القرآن للناس ) أي لأجلهم ولرعاية مصلحتهم ومنفعتهم ( من كل مثل ) من الأمثال التي من جملتها الأمثال المذكورة في هذه السورة ، وقد تقدم تفسير هذه الآية في سورة بني إسرائيل ، وحين لم يترك الكفار ما هم فيه من الجدال بالباطل ، ختم الآية بقوله ( وكان الإنسان أكثر شئ جدلا ) قال الزجاج : المراد بالإنسان الكافر ، واستدل على أن المراد الكافر بقوله تعالى ( ويجادل الذين كفروا بالباطل ) وقيل المراد به في الآية النضر بن الحرث ، والظاهر العموم وأن هذا النوع أكثر الأشياء التي يتأتى منها الجدال جدلا ، ويؤيد هذا ما ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث علي " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم طرقه وفاطمة ليلا ، فقال : ألا تصليان ؟ فقلت : يا رسول الله إنما أنفسنا بيد الله إن شاء أن يبعثنا بعثنا ، فانصرف حين قلت ذلك ولم يرجع إلي شيئا ، ثم سمعته يضرب فخذه ويقول ( وكان الإنسان أكثر شئ جدلا ) " وانتصاب جدلا على التمييز . ( وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى ويستغفروا ربهم إلا أن تأتيهم سنة الأولين ) قد تقدم الكلام على مثل هذا في سورة بني إسرائيل ، وذكرنا أن " أن " الأولى في محل نصب ، والثانية في محل رفع ، والهدى القرآن ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم ، والناس هنا هم أهل مكة ، والمعنى على حذف مضاف : أي ما منع الناس من الإيمان والاستغفار إلا طلب إتيان سنة الأولين ، أو انتظار إتيان سنة الأولين ، وزاد الاستغفار في هذه السورة لأنه قد ذكر هنا ما فرط منهم من الذنوب التي من جملتها جدالهم بالباطل ، وسنة الأولين هو أنهم إذا لم يؤمنوا عذبوا عذاب الاستئصال . قال الزجاج : سنتهم هو قولهم - إن كان هذا هو الحق من عندك - الآية ( أو يأتيهم العذاب ) أي عذاب الآخرة ( قبلا ( قال الفراء : إن قبلا جمع قبيل : أي متفرقا يتلو بعضه بعضا ، وقيل عيانا : وقيل فجأة . ويناسب ما قاله الفراء قراءة أبى جعفر وعاصم والأعمش وحمزة والكسائي ويحيى بن وثاب وخلف ( قبلا ) بضمتين فإنه جمع قبيل ، نحو سبيل وسبل ، والمراد أصناف العذاب ، ويناسب التفسير الثاني : أي عيانا ، قراءة الباقين بكسر القاف وفتح الباء : أي مقابلة ومعاينة ، وقرئ بفتحتين على معنى