الشوكاني

277

فتح القدير

سورة الكهف الآية ( 22 - 26 ) قوله ( وكذلك أعثرنا عليهم ) أي وكما أنمناهم وبعثناهم ، أعثرنا عليهم : أي أطلعنا الناس عليهم وسمى الإعلام إعثارا ، لأن من كان غافلا عن شئ فعثر به نظر إليه وعرفه ، فكان الإعثار سببا لحصول العلم ( ليعلموا أن وعد الله حق ) أي ليعلم الذين أعثرهم الله عليهم أن وعد الله بالبعث حق . قيل وكان ملك ذلك العصر ممن ينكر البعث ، فأراه الله هذه الآية . قيل وسبب الإعثار عليهم أن ذلك الرجل الذي بعثوه بالورق ، وكانت من ضربة دقيانوس إلى السوق ، لما اطلع عليها أهل السوق اتهموه بأنه وجد كنزا ، فذهبوا به إلى الملك ، فقال له : من أين وجدت هذه الدراهم ؟ قال : بعت بها أمس شيئا من التمر ، فعرف الملك صدقه ، ثم قص عليه القصة فركب الملك وركب أصحابه معه حتى وصلوا إلى الكهف ( وأن الساعة لا ريب فيها ) أي وليعلموا أن القيامة لا شك في حصولها ، فإن من شاهد حال أهل الكهف علم صحة ما وعد الله به من البعث ( إذ يتنازعون بينهم أمرهم ) الظرف متعلق بأعثرنا أي أعثرنا عليهم وقت التنازع والاختلاف بين أولئك الذين أعثرهم الله في أمر البعث ، وقيل في أمر أصحاب الكهف في قدر مكثهم ، وفى عددهم ، وفيما يفعلونه بعد أن اطلعوا عليهم ( فقالوا ابنوا عليهم بنيانا ) لئلا يتطرق الناس إليهم . وذلك أن الملك وأصحابه لما وقفوا عليهم وهم أحياء أمات الله الفتية ، فقال بعضهم : ابنوا عليهم بنيانا يسترهم عن أعين الناس ، ثم قال سبحانه حاكيا لقول المتنازعين فيهم وفى عددهم ، وفى مدة لبثهم ، وفى نحو ذلك مما يتعلق بهم ( ربهم أعلم بهم ) من هؤلاء المتنازعين فيهم ، قالوا ذلك تفويضا للعلم إلى الله سبحانه ، وقيل هو من كلام الله سبحانه . ردا لقول المتنازعين فيهم : أي دعوا ما أنتم فيه من التنازع ، فإني أعلم بهم منكم ، وقيل إن الظرف في " إذ يتنازعون " متعلق بمحذوف هو أذكر ، ويؤيده أن الإعثار ليس في زمن التنازع بل قبله ، ويمكن أن يقال : إن أولئك القوم ما زالوا متنازعين فيما بينهم قرنا بعد قرن . منذ أووا إلى الكهف إلى وقت الإعثار ، ويؤيد ذلك أن خبرهم كان مكتوبا على باب الغار ، كتبه بعض المعاصرين لهم من المؤمنين الذين كانوا يخفون إيمانهم كما قاله المفسرون ( قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا ) ذكر اتخاذ المسجد يشعر بأن هؤلاء الذين غلبوا على أمرهم هم المسلمون ، وقيل هم أهل السلطان ، والملك من القوم المذكورين فإنهم الذين يغلبون على أمر من عداهم ، والأول أولى . قال الزجاج : هذا يدل على أنه لما ظهر أمرهم غلب المؤمنون بالبعث والنشور . لأن المساجد للمؤمنين ( سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ) هؤلاء القائلون بأنهم ثلاثة أو خمسة أو سبعة ، هم المتنازعون في عددهم في زمن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أهل الكتاب والمسلمين ، وقيل هم أهل الكتاب خاصة ، وعلى كل تقدير فليس المراد أنهم جميعا قالوا جميع ذلك ، بل قال بعضهم بكذا ، وبعضهم بكذا ، وبعضهم بكذا ثلاثة رابعهم كلبهم : أي هم ثلاثة أشخاص ، وجملة رابعهم كلبهم في محل نصب على الحال :