الشوكاني

273

فتح القدير

أي قويناها بالصبر على هجر الأهل والأوطان ، وفراق الخلان والأخدان ( إذ قاموا ) الظرف منصوب بربطنا . واختلف أهل التفسير في هذا القيام على أقوال : فقيل إنهم اجتمعوا وراء المدينة من غير ميعاد ، فقال رجل منهم هو أكبر القوم : إني لأجد في نفسي شيئا ، إن ربي رب السماوات والأرض ، فقالوا : ونحن أيضا كذلك نجد في أنفسنا ، فقاموا جميعا ( فقالوا ربنا رب السماوات والأرض ) قاله مجاهد . وقال أكثر المفسرين : إنه كان لهم ملك جبار يقال له دقيانوس ، وكان يدعو الناس إلى عبادة الطواغيت ، فثبت الله هؤلاء الفتية وعصمهم حتى قاموا بين يديه ( فقالوا ربنا رب السماوات والأرض ) وقال عطاء ومقاتل إنهم قالوا ذلك عند قيامهم من النوم ( لن ندعوا من دونه إلها ) أي لن نعبد معبودا آخر غير الله لا اشتراكا ولا استقلالا ( لقد قلنا إذا شططا ) أي قولا ذا شطط ، أو قولا هو نفس الشطط لقصد المبالغة بالوصف بالمصدر ، واللام هي الموطئة للقسم ، والشطط الغلو ومجاوزة الحد . قال أعشى بن قيس : أتنتهون ولن ينهى ذوي شطط * كالطعن يذهب فيه الزيت والفتل ( هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة ) هؤلاء مبتدأ ، وخبره اتخذوا ، وقومنا عطف بيان ، وفى هذا الإخبار معنى للإنكار ، وفى الإشارة إليهم تحقير لهم ( لولا يأتون عليهم بسلطان بين ) أي هلا يأتون بحجة ظاهرة تصلح للتمسك بها ( فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ) فزعم أن له شريكا في العبادة : أي لا أحد أظلم منه ( وإذا اعتزلتموهم ) أي فارقتموهم وتنحيتم عنهم جانبا : أي عن العابدين للأصنام ، وقوله ( وما يعبدون إلا الله ) معطوف على الضمير المنصوب ، وما موصولة أو مصدرية : أي وإذا اعتزلتموهم واعتزلتم معبودهم أو الذي يعبدونه ، وقوله ( إلا الله ) استثناء منقطع على تقدير أنهم لم يعبدوا إلا الأصنام ، أو متصل على تقدير أنهم شركوها في العبادة مع الله سبحانه وقيل هو كلام معترض إخبار من الله سبحانه عن الفتية أنهم لم يعبدوا غير الله فتكون ما على هذا نافية ( فأووا إلى الكهف ) أي صيروا إليه واجعلوه مأواكم . قال الفراء : هو جواب إذ ، ومعناه : اذهبوا إليه واجعلوه مأواكم ، وقيل هو دليل على جوابه ، أي إذ اعتزلتموهم اعتزالا اعتقاديا ، فاعتزلوهم اعتزالا جسمانيا ، وإذا أردتم اعتزالهم فافعلوا ذلك بالالتجاء إلى الكهف ( ينشر لكم ربكم من رحمته ) أي يبسط ويوسع ( ويهيئ لكم من أمركم مرفقا ) أي يسهل وييسر لكم من أمركم الذي أنتم بصدده ( مرفقا ) المرفق بفتح الميم وكسرها لغتان قرئ بهما ، مأخوذ من الارتفاق وهو الانتفاع ، وقيل فتح الميم أقيس ، وكسرها أكثر . قال الفراء : وأكثر العرب على كسر الميم من الأمر ومن مرفق الإنسان ، وقد تفتح العرب الميم فيهما فهما لغتان ، وكأن الذين فتحوا أرادوا أن يفرقوا بين المرفق من الأمر ، والمرفق من الإنسان . وقال الكسائي : الكسر في مرفق اليد ، وقيل المرفق بالكسر ما ارتفقت به ، والمرفق بالفتح الأمر الرافق ، والمراد هنا ما يرتفقون به وينتفعون بحصوله ، والتقديم في الموضعين يفيد الاختصاص . وقد أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال : الرقيم الكتاب . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عنه قال : الرقيم واد دون فلسطين قريب من أيلة ، والراويان عن ابن عباس ضعيفان . وأخرج ابن جرير من طريق ابن جريج عنه أيضا قال : هو الجبل الذي فيه الكهف . وأخرج ابن المنذر عنه ، قال : والله ما أدري ما الرقيم الكتاب أم بنيان ؟ وفى رواية عنه من طريق أخرى قال : وسألت كعبا فقال : اسم القرية التي خرجوا منها . وأخرج ابن أبي حاتم عن أنس قال : الرقيم الكلب . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ( كانوا من آياتنا عجبا ) يقول : الذي آتيتك من العلم والسنة والكتاب أفضل من شأن أصحاب الكهف والرقيم . وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله ( فضربنا على آذانهم ) يقول : أرقدناهم ( ثم بعثناهم