الشوكاني
264
فتح القدير
يكون المعنى : وبالحق قدرنا أن ينزل وكذلك نزل ، أو ما أنزلناه من السماء إلا محفوظا ، وما نزل على الرسول إلا محفوظا من تخليط الشياطين ، والتقديم في الموضعين للتخصص ( وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا ) أي مبشرا لمن أطاع بالجنة ونذيرا مخوفا لمن عصى بالنار ( وقرآنا فرقناه ) انتصاب قرآنا بفعل مضمر يفسره ما بعده ، قرأ علي وابن عباس وابن مسعود وأبي بن كعب وقتادة وأبو رجاء والشعبي ( فرقناه ) بالتشديد : أي أنزلناه شيئا بعد شئ لا جملة واحدة . وقرأ الجمهور فرقناه بالتخفيف : أي بيناه وأوضحناه ، وفرقنا فيه بين الحق والباطل . وقال الزجاج : فرقه في التنزيل ليفهمه الناس . قال أبو عبيد : التخفيف أعجب إلي ، لأن تفسيره بيناه ، وليس للتشديد معنى إلا أنه نزل متفرقا . ويؤيده ما رواه ثعلب عن ابن الأعرابي أنه قال : فرقت مخففا بين الكلام ، وفرقت مشددا بين الأجسام ، ثم ذكر سبحانه العلة لقوله : فرقناه ، فقال ( لتقرأه على الناس على مكث ) أي على تطاول في المدة شيئا بعد شئ على القراءة الأولى ، أو أنزلناه آية آية ، وسورة سورة . ومعناه على القراءة الثانية على مكث : أي على ترسل وتمهل في التلاوة ، فإن ذلك أقرب إلى الفهم وأسهل للحفظ . وقد اتفق القراء على ضم الميم في مكث إلا ابن محيصن فإنه قرأ بفتح الميم ( ونزلناه تنزيلا ) التأكيد بالمصدر للمبالغة ، والمعنى : أنزلناه منجما مفرقا لما في ذلك من المصلحة ، ولو أخذوا بجميع الفرائض في وقت واحد لنفروا ولم يطيقوا ( قل آمنوا به أو لا تؤمنوا ) أمر الله سبحانه نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يقول للكافرين المقترحين للآيات آمنوا به أو لا تؤمنوا ، فسواء إيمانكم به وامتناعكم عنه لا يزيده ذلك ولا ينقصه . وفى هذا وعيد شديد لأمره صلى الله عليه وآله وسلم بالإعراض عنهم واحتقارهم ، ثم علل ذلك بقوله ( إن الذين أوتوا العلم من قبله ) أي أن العلماء الذين قرؤا الكتب السابقة قبل إنزال القرآن وعرفوا حقيقة الوحي وأمارات النبوة كزيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن نوفل وعبد الله بن سلام ( إذا يتلى عليهم ) أي القرآن ( يخرون للأذقان سجدا ) أي يسقطون على وجوههم ساجدين لله سبحانه . وإنما قيد الخرور ، وهو السقوط بكونه للأذقان : أي عليها ، لأن الذقن ، وهو مجتمع اللحيين أول ما يحاذي الأرض . قال الزجاج : لأن الذقن مجتمع اللحيين ، وكما يبتدئ الإنسان بالخرور للسجود ، فأول ما يحاذي الأرض به من وجهه الذقن ، وقيل المراد تعفير اللحية في التراب ، فإن ذلك غاية الخضوع ، وإيثار اللام في للأذقان على على للدلالة على الاختصاص ، فكأنهم خصوا أذقانهم بالخرور ، أو خصوا الخرور بأذقانهم ، وقيل الضمير في قوله ( من قبله ) راجع إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، والأولى ما ذكرناه من رجوعه إلى القرآن لدلالة السياق على ذلك ، وفى هذا تسلية لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . وحاصلها أنه إن لم يؤمن به هؤلاء الجهال الذين لا علم عندهم ولا معرفة بكتب الله ولا بأنبيائه ، فلا تبال بذلك . فقد آمن به أهل العلم وخشعوا له وخضعوا عند تلاوته عليهم خضوعا ظهر أثره البالغ بكونهم يخرون على أذقانهم سجدا لله ( ويقولون سبحان ربنا ) أي يقولون في سجودهم تنزيها لربنا عما يقوله الجاهلون من التكذيب أو تنزيها له عن خلف وعده ( إن كان وعد ربنا لمفعولا ) إن هذه هي المخففة من الثقيلة ، واللام هي الفارقة . ثم ذكر أنهم خروا لأذقانهم باكين فقال ( ويخرون للأذقان يبكون ) وكرر ذكر الخرور للأذقان لاختلاف السيب ، فإن الأول لتعظيم الله سبحانه وتنزيهه ، والثاني للبكاء بتأثير مواعظ القرآن في قلوبهم ومزيد خشوعهم ، ولهذا قال ( ويزيدهم ) أي سماع القرآن ، أو القرآن بسماعهم له ( خشوعا ) أي لين قلب ورطوبة عين . وقد أخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ( تسع آيات ) فذكر ما ذكرناه عن أكثر المفسرين . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه قال : يده ، وعصاه