الشوكاني
258
فتح القدير
السماء كما زعمت علينا كسفا ) قرأ مجاهد " أو تسقط " مسندا إلى السماء . وقرأ من عداه " أو تسقط " على الخطاب : أي أو تسقط أنت يا محمد السماء . والكسف بفتح السين جمع كسفة : وهى قراءة نافع وابن عامر وعاصم ، والكسفة القطعة . وقرأ الباقون " كسفا " بإسكان السين . قال الأخفش : من قرأ بإسكان السين جعله واحدا ومن قرأ بفتحها جعله جمعا . قال المهدوي : ويجوز أن يكون على قراءة الكون جمع كسفة ، ويجوز أن يكون مصدرا . قال الجوهري : الكسفة القطعة من الشئ ، يقال : أعطني كسفة من ثوبك ، والجمع كسف وكسف ، ويقال الكسف والكسفة واحد ، وانتصاب كسفا على الحال ، والكاف في كما زعمت في محل نصب على أنه صفة مصدر محذوف : أي إسقاطا ممائلا لما زعمت ، يعنون بذلك قول الله سبحانه - إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السماء - قال أبو علي : الكسف بالسكون . الشئ المقطوع كالطحن للمطحون واشتقاقه على ما قال أبو زيد من كسفت الثوب كسفا إذا قطعته . وقال الزجاج : من كسفت الشئ إذا غطيته كأنه قيل أو تسقطها طبقا علينا ( أو تأتى بالله والملائكة قبيلا ) . اختلف المفسرون في معنى ( قبيلا ) فقيل معناه معاينة قاله قتادة وابن جريج ، واختاره أبو علي الفارسي فقال : إذا حملته على المعاينة كان القبيل مصدرا كالنكير والنذير . وقيل معناه كفيلا قاله الضحاك ، وقيل شهيدا قاله مقاتل ، وقيل هو جمع القبيلة : أي تأتى بأصناف الملائكة قبيلة قبيلة قاله مجاهد وعطاء ، وقيل ضمنا ، وقيل مقابلا كالعشير والمعاشر ( أو يكون لك بيت من زخرف ) أي من ذهب ، وبه قرأ ابن مسعود ، وأصله الزينة ، والمزخرف المزين ، وزخارف الماء طرائقه . وقال الزجاج : هو الزينة فرجع إلى الأصل معنى الزخرف ، وهو بعيد لأنه يصير المعنى : أو يكون لك بيت من زينة ( أو ترقى في السماء ) أي تصعد في معارجها : يقال رقيت في السلم إذا صعدت وارتقيت مثله ( ولن نؤمن لرقيك ) أي لأجل رقيك وهو مصدر نحو مضى يمضي مضيا وهوى يهوى هويا ( حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه ) أي حتى تنزل علينا من السماء كتابا يصدقك ويدل على نبوتك نقرؤه جميعا ، أو يقرؤه كل واحد منا ، وقيل معناه : كتابا من الله إلى كل واحد منا كما في قوله - بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفا منشرة - فأمر سبحانه رسوله صلى الله عليه وآله وسلم أن يأتي بما يفيد التعجب من قولهم ، والتنزيه للرب سبحانه عن اقتراحاتهم القبيحة فقال ( قل سبحان ربى ) أي تنزيها لله عن أن يعجز عن شئ . وقرأ أهل مكة والشام " قال سبحان ربى " يعنى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ( هل كنت إلا بشرا ) من البشر لا ملكا حتى أصعد السماء ( رسولا مأمورا من الله سبحانه بابلاغكم ، فهل سمعتم أيها المقترحون لهذه الأمور أن بشرا قدر على شئ منها ؟ وإن أردتم أني أطلب ذلك من الله سبحانه حتى يظهرها على يدي ، فالرسول إذا أتى بمعجزة واحدة كفاه ذلك ، لأن بها يتبين صدقه ، ولا ضرورة إلى طلب الزيادة ، وأنا عبد مأمور ليس لي أن أتحكم على ربي بما ليس بضروري ، ولا دعت إليه حاجة ، ولو لزمتني الإجابة لكل متعنت لاقترح كل معاند في كل وقت اقتراحات ، وطلب لنفسه إظهار آيات ، فتعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا ، وتنزه عن تعنتاتهم ، وتقدس عن اقتراحاتهم . وقد أخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن ابن مسعود قال : إن هذا القرآن سيرفع ، قيل كيف يرفع وقد أثبته الله في قلوبنا وأثبتناه في المصاحف ؟ قال : يسرى عليه في ليلة واحدة فلا يترك منه آية في قلب ولا مصحف إلا رفعت ، فتصبحون وليس فيكم منه شئ ، ثم قرأ ( ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ) وقد ورى عنه هذا من طرق ، وأخرج ابن عدي عن أبي هريرة مرفوعا نحوه . وأخرج محمد بن نصر عن عبد الله بن عمرو نحوه موقوفا . وأخرج