الشوكاني

237

فتح القدير

قوله ( قل ادعوا الذين زعمتم من دونه ) هذا رد على طائفة من المشركين كانوا يعبدون تماثيل على أنها صور الملائكة ، وعلى طائفة من أهل الكتاب كانوا يقولون بإلهية عيسى ومريم وعزير ، فأمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وآله وسلم بأن يقول لهم : ادعوا الذين زعمتم أنهم آلهة من دون الله ، وقيل أراد بالذين زعمتم نفرا من الجن عندهم ناس من العرب ، وإنما خصصت الآية بمن ذكرنا لقوله ( يبتغون إلى ربهم الوسيلة ) ، فإن هذا لا يليق بالجمادات ( فلا يملكون كشف الضر عنكم ) أي لا يستطيعون ذلك ، والمعبود الحق هو الذي يقدر على كشف الضر ، وعلى تحويله من حال إلى حال ، ومن مكان إلى مكان ، فوجب القطع بأن هذه التي تزعمونها آلهة ليست بآلهة ، ثم إنه سبحانه أكد عدم اقتدارهم ببيان غاية افتقارهم إلى الله في جلب المنافع ودفع المضار ، فقال ( أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة ) فأولئك مبتدأ والذين يدعون صفته ، وضمير الصلة محذوف : أي يدعونهم وخبر المبتدأ يبتغون إلى ربهم الوسيلة ، ويجوز أن يكون الذين يدعون خبر المبتدأ : أي الذين يدعون عباده إلى عبادتهم ، ويكون يبتغون في محل نصب على الحال . وقرأ ابن مسعود " تدعون " بالفوقية على الخطاب . وقرأ الباقون بالتحتية على الخبر ، ولا خلاف في يبتغون أنه بالتحتية والوسيلة القربة بالطاعة والعبادة : أي يتضرعون إلى الله في طلب ما يقربهم إلى ربهم ، والضمير في ربهم يعود إلى العابدين أو المعبودين ( أيهم أقرب ) مبتدأ وخبر . قال الزجاج : المعنى أيهم أقرب بالوسيلة إلى الله : أي يتقرب إليه بالعمل الصالح ، ويجوز أن يكون بدلا من الضمير في يبتغون : أي يبتغي من هو أقرب إليه تعالى الوسيلة ، فكيف بمن دونه ؟ وقيل إن يبتغون مضمن معنى يحرصون أي يحرصون أيهم أقرب إليه سبحانه بالطاعة والعبادة ( ويرجون رحمته ) كما يرجوها غيرهم ( ويخافون عذابه ) كما يخافه غيرهم ( إن عذاب ربك كان محذورا ) تعليل لقوله يخافون عذابه : أي إن عذابه سبحانه حقيق بأن يحذره العباد من الملائكة والأنبياء وغيرهم . ثم بين سبحانه مآل الدنيا وأهلها فقال ( وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة ) إن نافية . ومن للاستغراق : أي ما من قرية ، أي قرية كانت من قرى الكفار . قال الزجاج : ، أي ما من أهل قرية إلا سيهلكون إما بموت وإما بعذاب يستأصلهم ، فالمراد بالقرية أهلها ، وإنما قيل قبل يوم القيامة لأن الإهلاك يوم القيامة غير مختص بالقرى الكافرة ، بل يعم كل قرية لانقضاء عمر الدنيا ، وقيل الإهلاك للصالحة والتعذيب للطالحة ، والأول أولى لقوله - وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون ( كان ذلك ) المذكور من الإهلاك . والتعذيب ( في الكتاب ) أي اللوح المحفوظ ( مسطورا ) أي مكتوبا ، والسطر الخط وهو في الأصل مصدر ، والسطر بالتحريك مثله . قال جرير : من شاء بايعته مالي وخلفته * ما تكمل التيم في ديوانها سطرا والخلفة بضم الخاء خيار المال . والسطر جمع أسطار . وجمع السطر بالسكون أسطر ( وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون ) قال المفسرون : إن أهل مكة سألوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يجعل لهم الصفا ذهبا وأن ينحي عنهم جبال مكة ، فأتاه جبريل فقال : إن شئت كان ما سأل قومك ، ولكنهم إن لم يؤمنوا لم يمهلوا وإن شئت استأنيت بهم . فأنزل الله هذه الآية . والمعنى : وما منعنا من إرسال الآيات التي سألوها إلا تكذيب الأولين ، فإن أرسلناها وكذب بها هؤلاء عوجلوا ولم يمهلوا كما هو سنة الله سبحانه في عباده ، فالمنع مستعار للترك ، والاستثناء مفرغ من أعم الأشياء : أي ما تركنا إرسالها لشئ من الأشياء إلا تكذيب الأولين ، فإن كذب بها هؤلاء كما كذب بها أولئك لاشتراكهم في الكفر والعناد حل بهم ما حل بهم ، و " أن " الأولى في محل نصب بإيقاع المنع عليها ، وأن الثانية في محل رفع . والباء في بالآيات زائدة . والحاصل أن المانع من إرسال الآيات التي