الشوكاني

235

فتح القدير

وإني بحمد الله لا ثوب فاخر * لبست ولا من غدرة أتقنع وقد روى أن الكفار عند خروجهم من قبورهم يقولون : سبحانك وبحمدك ، وقيل المراد بالدعاء هنا البعث وبالاستجابة أنهم يبعثون ، فالمعنى : يوم يبعثكم فتبعثون منقادين ( وتظنون إن لبثتم إلا قليلا ) أي تظنون عند البعث أنكم ما لبثتم في قبوركم إلا زمنا قليلا ، وقيل بين النفختين ، وذلك أن العذاب يكف عن المعذبين بين النفختين ، وذلك أربعون عاما ينامون فيها ، فلذلك - قالوا من بعثنا من مرقدنا - . وقيل إن الدنيا تحقرت في أعينهم وقلت حين رأوا يوم القيامة ، فقالوا هذه المقالة ( وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن ) أي قل يا محمد لعبادي المؤمنين إنهم يقولون عند محاورتهم للمشركين الكلمة التي هي أحسن من غيرها من الكلام الحسن كقوله سبحانه - ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن - وقوله - فقولا له قولا لينا - لأن المخاشنة لهم ربما تنفرهم عن الإجابة أو تؤدي إلى ما قال سبحانه - ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم - وهذا كان قبل نزول آية السيف ، وقيل المعنى : قل لهم يأمروا بما أمر الله وينهوا عما نهى عنه ، وقيل هذه الآية للمؤمنين فيما بينهم خاصة ، والأول أولى كما يشهد به السبب الذي سنذكره إن شاء الله ( إن الشيطان ينزغ بينهم ) أي بالفساد وإلقاء العداوة والإغراء . قال اليزيدي : يقال نزغ بيننا : أي أفسد . وقال غيره : النزغ الإغراء ( إن الشيطان كان للإنسان عدوا مبينا ) أي متظاهرا بالعداوة مكاشفا بها ، وهو تعليل لما قبله ، وقد تقدم مثل هذا في البقرة ( ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم أو إن يشأ يعذبكم ) قيل هذا خطاب للمشركين . والمعنى : إن يشأ يوفقكم للإسلام فيرحمكم أو يميتكم عن الشرك فيعذبكم ، وقيل هو خطاب للمؤمنين : أي إن يشأ يرحمكم بأن يحفظكم من الكفار ، أو إن يشأ يعذبكم بتسليطهم عليكم ، وقيل إن هذا تفسير للكلمة التي هي أحسن ( وما أرسلناك عليهم وكيلا ) أي ما وكلناك في منعهم من الكفر ، وقسرهم على الإيمان ، وقيل : ما جعلناك كفيلا لهم تؤخذ بهم ، ومنه قول الشاعر : ذكرت أبا أروى فبت كأنني * برد الأمور الماضيات وكيل أي كفيل ( وربك أعلم بمن في السماوات والأرض ) أعلم بهم ذاتا وحالا واستحقاقا ، وهو أعم من قوله - ربكم أعلم بكم - لأن هذا يشمل كل ما في السماوات والأرض من مخلوقاته . وذاك خاص ببني آدم أو ببعضهم ، وهذا كالتوطئة لقوله ( ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض ) أي أن هذا التفضيل عن علم منه بمن هو أعلى رتبة وبمن دونه ، وبمن يستحق مزيد الخصوصية بتكثير فضائله وفواضله . وقد تقدم هذا في البقرة . وقد اتخذ الله إبراهيم خليلا ، وموسى كليما ، وجعل عيسى كلمته وروحه . وجعل لسليمان ملكا عظيما ، وغفر لمحمد ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، وجعله سيد ولد آدم ، وفى هذه الآية دفع لما كان ينكره الكفار مما يحكيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من ارتفع درجته عند ربه عز وجل ، ثم ذكر ما فضل به داود . فقال ( وآتينا داود زبورا ) أي كتابا مزبورا . قال الزجاج : أي فلا تنكروا تفضيل محمد وإعطاءه القرآن فقد أعطى الله داود زبورا . وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ( ورفاتا ) قال : غبارا . وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله ( ورفاتا ) قال : ترابا ، وفى قوله ( قل كونوا حجارة أو حديدا ) قال : ما شئتم فكونوا ، فسيعيدكم الله كما كنتم . وأخرج ابن أبي شيبة وعبد الله ابن أحمد في زوائد الزهد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عمر في قوله ( أو خلقا مما يكبر في صدوركم ) قال : الموت ، لو كنتم موتا لأحييتكم . وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن جرير والحاكم عن ابن عباس مثله . وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن الحسن مثله أيضا . وأخرج عبد الله بن أحمد وابن جرير وابن المنذر عن