الشوكاني

229

فتح القدير

إلى ما تقدم ذكره من قوله ( لا تجعل ) إلى هذه الغاية وترتقي إلى خمسة وعشرين تكليفا . ( مما أوحى إليك ربك ) : أي من جنسه أو بعض منه . وسمى حكمة لأنه كلام محكم ، وهو ما علمه من الشرائع أو من الأحكام المحكمة التي لا يتطرق إليها الفساد . وعند الحكماء أن الحكمة عبارة عن معرفة الحق لذاته . و " من الحكمة " متعلق بمحذوف وقع حالا أي كائنا من الحكمة ، أو بدل من الموصول بإعادة الجار . أو متعلق بأوحى ( ولا تجعل مع الله إلها آخر ) كرر سبحانه النهى عن الشرك تأكيدا وتقريرا وتنبيها على أنه رأس خصال الدين وعمدته . قيل وقد راعى سبحانه في هذا التأكيد دقيقة فرتب على الأول كونه مذموما مخذولا ، وذلك إشارة إلى حال الشرك في الدنيا ، ورتب على الثاني أنه يلقى ( في جهنم ملوما مدحورا ) وذلك إشارة إلى حاله في الآخرة ، وفى القعود هناك ، والإلقاء هنا إشارة إلى أن للإنسان في الدنيا صورة اختيار بخلاف الآخرة . وقد تقدم تفسير الملوم والمدحور ( أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة إناثا ) قال أبو عبيدة : أصفاكم خصكم ، وقال الفضل : أخلصكم ، وهو خطاب للكفار القائلين بأن الملائكة بنات الله . وفيه توبيخ شديد وتقريع بالغ لما كان يقوله هؤلاء الذين هم كالأنعام بل هم أضل ، والفاء للعطف على مقدر كنظائره مما قد كررناه . ( إنكم لتقولون ) يعنى القائلين بأن لهم الذكور ولله الإناث ( قولا عظيما ) بالغا في العظم والجراءة على الله إلى مكان لا يقادر قدره ( ولقد صرفنا في هذا القرآن ) أي بينا ضروب القول فيه من الأمثال وغيرها . أو كررنا فيه ، وقيل " في " زائدة والتقدير ولقد صرفنا هذا القرآن والتصريف في الأصل صرف الشئ من جهة إلى جهة ، وقيل معنى التصريف المغايرة : أي غايرنا بين المواعظ ليتذكروا ويعتبروا ، وقراءة الجمهور صرفنا بالتشديد ، وقرأ الحسن بالتخفيف ثم علل تعالى ذلك فقال ( ليذكروا ) أي ليتعظوا ويتدبروا بعقولهم ويتفكروا فيه حتى يقفوا على بطلان ما يقولونه . قرأ يحيى بن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي ليذكروا مخففا ، والباقون بالتشديد . واختارها أبو عبيد لما تفيده من معنى التكثير ، وجملة ( وما يزيدهم إلا نفورا ) في محل نصب على الحال : أي والحال أن هذا التصريف والتذكير ما يزيدهم إلا تباعدا عن الحق وغفلة عن النظر في الصواب لأنهم قد اعتقدوا في القرآن أنه حيلة وسحر وكهانة وشعر ، وهم لا ينزعون عن هذه الغواية ولا وازع لهم يزعهم إلى الهداية . وقد أخرج ابن جرير عن قتادة في قوله ( ولا تقربوا مال اليتيم ) قال : كانوا لا يخالطونهم في مال ولا مأكل ولا مركب حتى نزلت - وإن تخالطوهم فإخوانكم - . وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله ( إن العهد كان مسؤولا ) قال : يسأل الله ناقض العهد عن نقضه . وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في الآية قال : يسأل عهده من أعطاه إياه . وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله ( وأوفوا الكيل إذا كلتم ) يعنى لغيركم ( وزنوا بالقسطاس ) يعنى الميزان . وبلغة الروم الميزان القسطاس ( ذلك خير ) يعنى وفاء الكيل والميزان خير من النقصان ( وأحسن تأويلا ) عاقبة . وأخرج ابن أبي شيبة والفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال : القسطاس العدل بالرومية . وأخرج ابن المنذر عن الضحاك قال : القسطاس القبان . وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال : الحديد . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ( ولا تقف ) قال : لا تقل . وأخرج ابن جرير عنه قال : لا ترم أحدا بما ليس لك به علم . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن الحنفية في الآية قال : شهادة الزور . وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله ( إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا ) يقول : سمعه وبصره وفؤاده تشهد عليه . وأخرج الفريابي عن ابن عباس في قوله ( كل أولئك كان عنه مسؤولا ) قال : يوم القيامة أكذلك كان أم لا ؟ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن