الشوكاني

227

فتح القدير

عند الله وعند الناس يتأثر عنه حسن الذكر وترغيب الناس في معاملة من كان كذلك ( وأحسن تأويلا ) أي أحسن عاقبة ، من آل إذا رجع . ثم أمر سبحانه بإصلاح اللسان والقلب فقال ( ولا تقف ما ليس لك به علم ) أي لا تتبع ما لا تعلم ، من قولك قفوت فلانا إذا اتبعت أثره . ومنه قافية الشعر لأنها تقفو كل بيت ، ومنه القبيلة المشهورة بالقافة لأنهم يتبعون آثار أقدام الناس . وحكى ابن جرير عن فرقة أنها قالت : قفا وقاف مثل عثا وعاث . قال منذر بن سعيد البلوطي : قفا وقاف ، مثل جذب وجبذ . وحكى الكسائي عن بعض القراء أنه قرأ " تقف " بضم القاف وسكون الفاء . وقرأ الفراء بفتح القاف وهى لغة لبعض العرب . وأنكرها أبو حاتم وغيره . ومعنى الآية : النهي عن أن يقول الإنسان ما لا يعلم أو يعمل بما لا علم له به . وهذه قضية كلية ، وقد جعلها جماعة من المفسرين خاصة بأمور : فقيل لا تذم أحدا بما ليس لك به علم ، وقيل هي في شهادة الزور ، وقيل هي في القذف . وقال القتيبي : معنى الآية : لا تتبع الحدس والظنون . وهذا صواب ، فإن ما عدا ذلك هو العلم ، وقيل المراد بالعلم هنا هو الاعتقاد الراجح المستفاد من مستند قطعيا كان أو ظنيا . قال أبو السعود في تفسيره : واستعماله بهذا المعنى مما لا ينكر شيوعه . وأقول : إن هذه الآية قد دلت على عدم جواز العمل بما ليس بعلم ، ولكنها عامة مخصصة بالأدلة الواردة بجواز العمل بالظن كالعمل بالعام وبخبر الواحد والعمل بالشهادة والاجتهاد في القبلة وفى جزاء الصيد ونحو ذلك ، فلا تخرج من عمومها ومن عموم - إن الظن لا يغني من الحق شيئا - إلا ما قام دليل جواز العمل به ، فالعمل بالرأي في مسائل الشرع إن كان لعدم وجود الدليل في الكتاب والسنة ، فقد رخص فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما في قوله صلى الله عليه وآله وسلم لمعاذ لما بعثه قاضيا " بم تقضى ؟ قال بكتاب الله ، قال : فإن لم تجد . قال : فبسنة رسول الله . قال : فإن لم تجد ، قال : أجتهد رأيي " وهو حديث صالح للاحتجاج به كما أوضحنا ذلك في بحث مفرد . وأما التوثب على الرأي مع وجود الدليل في الكتاب أو السنة ، ولكنه قصر صاحب الرأي عن البحث فجاء برأيه فهو داخل تحت هذا النهى دخولا أوليا ، لأنه محض رأى في شرع الله ، وبالناس عنه غنى بكتاب الله سبحانه وبسنة رسوله الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم تدع إليه حاجة ، على أن الترخيص في الرأي عند عدم وجود الدليل إنما هو رخصة للمجتهد يجوز له أن يعمل به ، ولم يدل دليل على أنه يجوز لغيره العمل به وينزله منزلة مسائل الشرع . وبهذا يتضح لك أتم اتضاح ويظهر لك أكمل ظهور أن هذه الآراء المدونة في الكتب الفروعية ليست من الشرع في شئ . والعامل بها على شفا جرف هار ، فالمجتهد المستكثر من الرأي قد قفا ما ليس له به علم ، والمقلد المسكين العامل برأي ذلك المجتهد قد عمل بما ليس له به علم ولا لمن قلده - ظلمات بعضها فوق بعض - وقد قيل إن هذه الآية خاصة بالعقائد ولا دليل على ذلك أصلا . ثم علل سبحانه النهى عن العمل بما ليس يعلم بقوله ( إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا ) إشارة إلى الأعضاء الثلاثة ، وأجريت مجرى العقلاء لما كانت مسؤولة عن أحوالها شاهدة على أصحابها . وقال الزجاج : إن العرب تعبر عما يعقل وعما لا يعقل بأولئك . وأنشد ابن جرير مستدلا على جواز هذا قول الشاعر : ذم المنازل بعد منزلة اللوى * والعيش بعد أولئك الأيام واعترض بأن الرواية بعد أولئك الأقوام . وتبعه غيره على هذا الخطأ كصاحب الكشاف . والضمير في كان من قوله ( كان عنه مسؤولا ) يرجع إلى كل . وكذا الضمير في عنه ، وقيل الضمير في كان يعود إلى القافي المدلول عليه بقوله ( ولا تقف ) . وقوله " عنه " في محل رفع لإسناد مسؤولا إليه . ورد بما حكاه النحاس من الإجماع على عدم جواز تقديم القائم مقام الفاعل إذا كان جارا أو مجرورا . قيل والأولى أن يقال إنه فاعل مسؤولا المحذوف ،