الشوكاني
23
فتح القدير
الدين في ورد ولا صدر ، فما أغنى عباد الله عنها وأحوجهم إلى غيرها من مسائل التكليف ( قالت فذلكن الذي لمتنني فيه ) الإشارة إلى يوسف . والخطاب للنسوة : أي عيرتنني فيه . قالت لهن هذا لما رأت افتتانهن بيوسف إظهارا لعذر نفسها ، ومعنى فيه : أي في حبه ، وقيل الإشارة إلى الحب ، والضمير له أيضا ، والمعنى : فذلك الحب الذي لمتنني فيه هو ذلك الحب ، والأول أولى . ورجحه ابن جرير . وأصل اللوم : الوصف بالقبيح . ثم لما أظهرت عذر نفسها عند النسوة بما شاهدته مما وقعن فيه عند ظهوره لهن ضاق صدرها عن كتم ما تجده في قلبها من حبه . فأقرت بذلك وصرحت بما وقع منها من المراودة له ، فقالت ( ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ) أي استعف وامتنع مما أريده طالبا لعصمة نفسه عن ذلك ، ثم توعدته إن لم يفعل ما تريده كاشفة لجلباب الحياء هاتكة لستر العفاف فقالت ( ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين ) أي لئن لم يفعل ما قد أمرته به فيما تقدم ذكره عند أن غلقت الأبواب وقالت هيت لك ليسجنن : أي يعتقل في السجن وليكونن من الصاغرين الأذلاء لما يناله من الإهانة . ويسلب عنه من النعمة والعزة في زعمها ، قرىء " ليكونن " بالتثقيل والتخفيف قيل والتخفيف أولى لأن النون كتبت في المصحف ألفا على حكم الوقف . وذلك لا يكون إلا في الخفيفة ، وأما ليسجنن فبالتثقيل لا غير . فلما سمع يوسف مقالها هذا ، وعرف أنها عزمة منها مع ما قد علمه من نفاذ قولها عند زوجها العزيز قال مناجيا لربه سبحانه ( رب السجن ) أي يا رب السجن الذي أوعدتني هذه به ( أحب إلى مما يدعونني إليه ) من مؤاتاتها والوقوع في المعصية العظيمة التي تذهب بخير الدنيا والآخرة . قال الزجاج : أي دخول السجن ، فحذف المضاف . وحكى أبو حاتم أن عثمان بن عفان رضي الله عنه قرأ " السجن " بفتح السين . وقرأ كذلك ابن أبي إسحاق وعبد الرحمن الأعرج ويعقوب ، وهو مصدر سجنه سجنا ، وإسناد الدعوة إليهن جميعا ، لأن النسوة رغبنه يكون في مطاوعتها وخوفنه من مخالفتها ، ثم جرى على هذا في نسبته الكيد إليهن جميعا ، فقال ( وإلا تصرف عنى كيدهن ) أما الكيد من امرأة العزيز فما قد قصه الله سبحانه في هذه السورة ، وأما كيد سائر النسوة فهو ما تقدم من الترغيب له في المطاوعة والتخويف من المخالفة ، وقيل إنها كانت كل واحدة تخلو به وحدها وتقول له : يا يوسف اقض لي حاجتي فأنا خير لك من امرأة العزيز ، وقيل إنه خاطب امرأة العزيز بما يصلح لخطاب جماعة النساء تعظيما لها ، أو عدولا عن التصريح إلى التعريض ، والكيد : الاحتيال ، وجزم ( أصب إليهن ) على أنه جواب الشرط : أي أمل إليهن ، من صبا يصبو : إذا مال واشتاق ، ومنه قول الشاعر : إلى هند صبا قلبي * وهند حبها يصبي ( وأكن من الجاهلين ) معطوف على أصب : أي أكن ممن يجهل ما يحرم ارتكابه ويقدم عليه ، أو ممن يعمل عمل الجهال . قوله ( فاستجاب له ربه ) لما قال : وإلا تصرف عنى كيدهن كان ذلك منه تعرضا للدعاء ، وكأنه قال : اللهم اصرف عني كيدهن ، فالاستجابة من الله تعالى له هي بهذا الاعتبار ، لأنه لم يتقدم دعاء صريح منه عليه السلام ، والمعنى : أنه لطف به وعصمه عن الوقوع في المعصية . لأنه إذا صرف عنه كيدهن لم يقع شئ مما رمنه منه ، ووجه إسناد الكيد قد تقدم ، وجملة ( إنه هو السميع العليم ) تعليل لما قبلها من صرف كيد النسوة عنه : أي إنه هو السميع لدعوات الداعين له : العليم بأحوال الملتجئين إليه . وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله ( قد شغفها ) قال : غلبها . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عنه ( قد شغفها ) قال : قتلها حب يوسف ، الشغف : الحب القاتل ، والشعف : حب دون ذلك ، والشغاف : حجاب القلب . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه أيضا ( قد شغفها ) قال : قد علقها . وأخرج