الشوكاني

206

فتح القدير

بسم الله الرحمن الرحيم سورة الإسراء الآية ( 1 - 3 ) . قوله ( سبحان الذي أسرى بعبده ليلا ) هو مصدر سبح . يقال سبح يسبح تسبيحا وسبحانا ، مثل كفر اليمين تكفيرا وكفرانا ، ومعناه التنزيه والبراءة لله من كل نقص . وقال سيبويه : العامل فيه فعل لا من لفظه ، والتقدير أنزه الله تنزيها ، فوقع سبحان مكان تنزيها ، فهو على هذا مثل قعد القرفصاء واشتمل الصماء ، وقيل هو علم للتسبيح كعثمان للرجل ، وانتصابه بفعل مضمر متروك إظهاره تقديره أسبح الله سبحان ، ثم نزل منزلة الفعل وسد مسده وقد قدمنا في قوله - سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا - طرفا من الكلام المتعلق بسبحان . والإسراء قيل : هو سير الليل ، يقال سرى وأسرى : كسقي وأسقى لغتان ، وقد جمع بينهما الشاعر في قوله : حي النضير وربة الخدر * أسرت إلي ولم تكن تسرى وقيل هو سير أول الليل خاصة ، وإذا كان الإسراء لا يكون إلا في الليل فلا بد للتصريح بذكر الليل بعده من فائدة ، فقيل أراد بقوله ليلا تقليل مدة الإسراء وأنه أسرى به في بعض الليل من مكة إلى الشام مسافة أربعين ليلة . ووجه دلالة ليلا على تقليل المدة ما فيه من التنكير الدال على البعضية . بخلاف ما إذا قلت سريت الليل فإنه يفيد استيعاب السير له جميعا . وقد استدل صاحب الكشاف على إفادة ليلا للبعضية بقراءة عبد الله وحذيفة من الليل . وقال الزجاج : معنى أسرى بعبده ليلا سير عبده يعني محمدا ليلا وعلى هذا فيكون معنى أسرى معنى سير فيكون للتقييد بالليل فائدة ، وقال بعبده ولم يقل بنبيه أو رسوله أو بمحمد تشريفا له صلى الله عليه وآله وسلم قال أهل العلم : لو كان غير هذا الاسم أشرف منه لسماه الله سبحانه به في هذا المقام العظيم والحالة العلية : لا تدعي إلا بيا عبدها * فإنه أشرف أسمائي * ادعاء بأسماء نبزا في قبائلها * كأن أسماء أضحت بعض أسمائي ( من المسجد الحرام ) قال الحسن وقتادة : يعني المسجد نفسه وهو ظاهر القرآن . وقال عامة المفسرين ، : أسرى برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من دار أم هانئ . فحملوا المسجد الحرام على مكة أو الحرام لإحاطة كل واحد منهما بالمسجد الحرام . أو لأن الحرم كله مسجد . ثم ذكر سبحانه الغاية التي أسرى برسوله صلى الله عليه وآله وسلم إليها فقال ( إلى المسجد الأقصى ) وهو بيت المقدس . وسمى الأقصى لبعد المسافة بينه وبين المسجد الحرام ولم يكن حينئذ وراءه مسجد . ثم وصف المسجد الأقصى بقوله ( الذي باركنا حوله ) بالثمار والأنهار والأنبياء والصالحين ، فقد بارك الله سبحانه حول المسجد الأقصى ببركات الدنيا والآخرة . وفى باركنا بعد قوله أسرى التفات من الغيبة إلى التكلم . ثم ذكر العلة التي أسرى به لأجلها فقال ( لنريه من آياتنا ) أي ما أراه الله