الشوكاني

21

فتح القدير

يقال نسوة بضم النون ، وهى قراءة الأعمش والفضل وسليمان ، ويقال نسوة بكسر النون ، وهى قراءة الباقين ، والمراد جماعة من النساء ، ويجوز التذكير في الفعل المسند إليهن كما يجوز التأنيث ، قيل : وهن امرأة ساقى العزيز وامرأة خبازه ، وامرأة صاحب دوابه ، وامرأة صاحب سجنه ، وامرأة حاجبه . والفتى في كلام العرب : الشاب ، والفتاة : الشابة ، والمراد به هنا : غلامها يقال فتاي وفتاتي : أي غلامي وجاريتي ، وجمله ( قد شغفها حبا ) في محل رفع على أنها خبر ثان للمبتدأ ، أو في محل نصب على الحال ، ومعنى شغفها حبا : غلبها حبه ، وقيل دخل حبه في شغافها . قال أبو عبيدة : وشغاف القلب غلافه وهو جلدة عليه ، وقيل هو وسط القلب ، وعلى هذا يكون المعنى : دخل حبه إلى شغافها فغلب عليه ، وأنشد الأصمعي قول الراجز : * يتبعها وهى له شغاف * وقرأ جعفر بن محمد وابن محيصن والحسن " شعفها " بالعين المهملة . قال ابن الأعرابي : معناه أجرى حبه عليها . وقرأ غيرهم بالمعجمة . قال الجوهري : شعفه الحب أحرق قلبه . وقال أبو زيد : أمرضه . قال النحاس : معناه عند أكثر أهل اللغة : قد ذهب بها كل مذهب ، لأن شعاف الجبال : أعاليها ، وقد شغف بذلك شغفا باسكان الغين المعجمة : إذا ولع به ، وأنشد أبو عبيدة بيت امرئ القيس : أتقتلني من قد شغفت فؤادها * كما شغف المهنوة الرجل الطالي قال : فشبهت لوعة الحب بذلك . وقرأ الحسن " قد شغفها " بضم الغين ، قال النحاس : وحكى قد شغفها بكسر الغين ، ولا يعرف ذلك في كلام العرب إلا شغفها بفتح الغين ، ويقال إن الشغاف : الجلدة اللاصقة بالكبد التي لا ترى ، وهى الجلدة البيضاء ، فكأنه لصق حبه بقلبها كلصوق الجلدة بالكبد ، وجملة ( إنا لنراها في ضلال مبين ) مقررة لمضمون ما قبلها . والمعنى : إنا لنراها : أي نعلمها في فعلها هذا ، وهو المراودة لفتاها قبل في ضلال عن طريق الرشد والصواب مبين : واضح لا يلتبس على من نظر فيه ( فلما سمعت ) امرأة العزيز ( بمكرهن ) أي بغيبتهن إياها ، سميت الغيبة مكرا لاشتراكهما في الإخفاء ، وقيل أردن أن يتوسلن بذلك إلى رؤية يوسف ، فلهذا سمى قولهن مكرا ، وقيل إنها أسرت عليهن فأفشين سرها فسمى ذلك مكرا ( أرسلت إليهن ) أي تدعوهن إليها لينظرن إلى يوسف حتى يقعن فيما وقعت فيه ( وأعتدت لهن متكأ ) أي هيأت لهن مجالس يتكئن عليها ، وأعتدت من الاعتداد ، وهو كل ما جعلته عدة لشئ . وقرأ مجاهد وسعيد بن جبير " متكا " مخففا غير مهموز ، والمتك : هو الأترج بلغة القبط ، ومنه قول الشاعر : نشرب الإثم بالصواع جهارا * وترى المتك بيننا مستعارا وقيل إن ذلك هو لغة أزدشنوءة ، وقيل حكى ذلك عن الأخفش . وقال الفراء : إنه ماء الورد . وقرأ الجمهور " متكأ " بالهمز والتشديد ، وأصح ما قيل فيه إنه المجلس ، وقيل هو الطعام ، وقيل المتكأ كل ما اتكىء عليه عند طعام أو شراب أو حديث ، وحكى القتيبي أنه يقال اتكأنا عند فلان : أي أكلنا ، ومنه قول الشاعر : فظللنا بنعمة واتكأنا * وشربنا الحلال من قلله ويؤيد هذا قوله ( وآتت كل واحدة منهن سكينا ) فإن ذلك إنما يكون لشئ يأكلنه بعد أن يقطعنه ، والسكين تذكر وتؤنث ، قاله الكسائي والفراء . قال الجوهري : والغالب عليه التذكير ، والمراد من إعطائها لكل واحدة سكينا أن يقطعن ما يحتاج إلى التقطيع من الأطعمة ، ويمكن أنها أرادت بذلك ما سيقع منهن من تقطيع أيديهن ( وقالت ) ليوسف ( اخرج عليهن ) أي في تلك الحالة التي هن عليها من الاتكاء والأكل وتقطيع ما يحتاج إلى التقطيع من الطعام . قوله ( فلما رأينه أكبرنه ) أي عظمنه ، وقيل أمذين ، ومنه قول الشاعر :