الشوكاني
192
فتح القدير
في الدنيا والغنائم والرزق الواسع ، وما عنده في الآخرية من نعيم الجنة الذي لا يزول ولا ينقطع هو خير لهم ، ثم علل النهى عن أن يشتروا بعهد الله ثمنا قليلا وأن ما عند الله هو خير لهم بقوله ( إن كنتم تعلمون ) أي إن كنتم من أهل العلم والتمييز بين الأشياء . ثم ذكر دليلا قاطعا على حقارة عرض الدنيا وخيرية ما عند الله فقال ( ما عندكم ينفد وما عند الله باق ) ومعلوم لكل عاقل أن ما ينفد ويزول وإن بلغ في الكثرة إلى أي مبلغ فهو حقير يسير ، وما كان يبقى ولا يزول فهو كثير جليل ، أما نعيم الآخرة فظاهر ، وأما نعيم الدنيا الذي أنعم الله به على المؤمنين فهو وإن كان زائلا لكنه لما كان متصلا بنعيم الآخرة كان من هذه الحيثية في حكم الباقي الذي لا ينقطع ، ثم قال ( ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ) اللام هي الموطئة : أي لنجزينهم بسبب صبرهم على ما نالهم من مشاق التكليف وجهاد الكافرين والصبر على ما ينالهم منهم من الإيذاء بأحسن ما كانوا يعملون من الطاعات . قيل وإنما خص أحسن أعمالهم ، لأن ما عداه وهو الحسن مباح ، والجزاء إنما يكون على الطاعة ، وقيل المعنى : ولنجزينهم بجزاء أشرف وأوفر من عملهم كقوله - من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها - أو لنجزينهم بحسب أحسن أفراد أعمالهم على معنى لنعطينهم بمقابلة الفرد الأدنى من أعمالهم المذكورة ما نعطيهم بمقابلة الفرد الأعلى منها من الجزاء الجزيل ، لا أنا نعطى الأجر بحسب أفرادها المتفاوتة في مراتب الحسن بأن نجزى الحسن منها بالأجر الحسن ، والأحسن بالأحسن ، كذا قيل . قرأ عاصم وابن كثير " لنجزين " بالنون . وقرأ الباقون بالياء التحتية . وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مزيدة بن جابر في قوله ( وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ) قال : أنزلت هذه الآية في بيعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، كأن من أسلم بايع على الإسلام ، فقال ( وأوفوا بعهد الله ) الآية فلا يحملنكم قلة محمد وأصحابه وكثرة المشركين أن تنقضوا البيعة التي بايعتم على الإسلام ، وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله ( ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها ) يقول : بعد تغليظها ، وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة نحوه . وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير نحوه . وأخرج ابن مردويه من طريق عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس أن سعيدة الأسدية كانت تجمع الشعر والليف ، فنزلت فيها هذه الآية ( ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها ) . وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي بكر بن حفص مثله ، وفى الروايتين جميعا أنها كانت مجنونة . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدى في سبب نزول الآية قال : كانت امرأة بمكة تسمى خرقاء مكة كانت تغزل فإذا أبرمت غزلها نقضته . وأخرج ابن جرير عن عبد الله بن كثير معناه . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ( أن تكون أمة هي أربى من أمة ) قال : ناس أكثر من ناس وأخرجوا عن مجاهد في الآية قال : كانوا يحالفون الحلفاء فيجدون أكثر منهم وأعز ، فينقضون حلف هؤلاء ويحالفون هؤلاء الذين هم أعز فنهوا عن ذلك . سورة النحل الآية ( 97 - 100 )