الشوكاني
19
فتح القدير
أي من قرابتها وسمى الحكم بينهما شهادة لما يحتاج فيه من التثبت والتأمل ، قيل لما التبس الأمر على العزيز احتاج إلى حاكم يحكم بينهما ليتبين له الصادق من الكاذب . قيل كان ابن عم لها واقفا مع العزيز في الباب ، وقيل ابن خال لها ، وقيل إنه طفل في المهد تكلم . قال السهيلي : وهو الصحيح للحديث الوارد في ذلك عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ذكر من تكلم في المهد ، وذكر من جملتهم شاهد يوسف ، وقيل إنه رجل حكيم كان العزيز يستشيره في أموره ، وكان من قرابة المرأة ( إن كان قميصه قد من قبل ) أي فقال الشاهد هذه المقالة مستدلا على بيان صدق الصادق منهما وكذب الكاذب بأن قميص يوسف إن كان مقطوعا من قبل : أي من جهة القبل ( فصدقت ) أي فقد صدقت بأنه أراد بها سوءا ( وهو من الكاذبين ) في قوله إنها راودته عن نفسه . وقرأ يحيى بن يعمر وابن أبي إسحاق " من قبل " بضم اللام . وكذا قرأ ( من دبر ) قال الزجاج : جعلاهما غايتين كقبل وبعد كأنه قيل من قبله ومن دبره ، فلما حذف المضاف إليه : وهو مراد صار المضاف غاية بعد أن كان المضاف إليه هو الغاية ( وإن كان قميصه قد من دبر ) أي من ورائه ( فكذبت ) في دعواها عليه ( وهو من الصادقين ) في دعواه عليها ، ولا يخفى أن هاتين الجملتين الشرطيتين لا تلازم بين مقدميهما وتالييهما ، لا عقلا ولا عادة ، وليس هاهنا إلا مجرد أمارة غير مطردة ، إذ من الجائز أن تجذبه إليها وهو مقبل عليها فينقد القميص من دبر ، وأن تجذبه وهو مدبر عنها فينقد القميص من قبل ( فلما رأى ) أي العزيز ( قميصه ) أي قميص يوسف ( قد من دبر قال إنه ) أي هذا الأمر الذي وقع فيه الاختلاف بينكما ، أو أن قولك : " ما جزاء من أراد بأهلك سوءا " ( من كيدكن ) أي من جنس كيدكن يا معشر النساء ( إن كيدكن عظيم ) والكيد : المكر والحيلة ، ثم خاطب العزيز يوسف عليه السلام بقوله ( يوسف أعرض عن هذا ) أي عن هذا الأمر الذي جرى واكتمه ولا تتحدث به ، ثم أقبل عليها بالخطاب فقال ( واستغفري لذنبك ) الذي وقع منك ( إنك كنت ) بسبب ذلك ( من الخاطئين ) أي من جنسهم ، والجملة تعليل لما قبلها من الأمر بالاستغفار ولم يقل من الخاطئات تغليبا للمذكر على المؤنث كما في قوله - وكانت من القانتين - ومعنى من الخاطئين من المتعمدين ، يقال خطئ إذا أذنب متعمدا ، وقيل إن القائل ليوسف ولامرأة العزيز بهذه المقالة هو الشاهد الذي حكم بينهما . وقد أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله ( وراودته التي هو في بيتها عن نفسه ) قال : هي امرأة العزيز . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد قال : راودته حين بلغ مبلغ الرجال . وأخرج أبو عبيد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس في قوله ( هيت لك ) قال : هلم لك تدعوه إلى نفسها ، وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه قال : هلم لك بالقبطية ، وأخرج ابن جرير عن الحسن قال : هي كلمة بالسريانية : أي عليك . وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير قال : معناها تعال . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد : إنها لغة عربية تدعوه بها إلى نفسها وأخرج أبو عبيد وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس أنه قرأ " هئت لك " مكسورة الهاء مضمومة التاء مهموزة قال : تهيأت لك . وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله ( إنه ربى ) قال : سيدي ، قال : يعنى زوج المرأة . وأخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وصححه عن ابن عباس قال : لما همت به تزينت ثم استلقت على فراشها ، وهم بها جلس بين رجليها يحل ثيابه ، فنودي من السماء يا بن يعقوب لا تكن كطائر نتف ريشه فبقى لا ريش له ، فلم يتعظ على النداء شيئا حتى رأى برهان ربه جبريل في صورة يعقوب عاضا على أصبعه ، ففزع فخرجت شهوته من أنامله