الشوكاني

179

فتح القدير

عباده بأن جعل لهم من الأزواج بنين وحفدة ، فالحفدة في الظاهر معطوفون على البنين وإن كان يجوز أن يكون المعنى : جعل لكم من أزواجكم بنين وجعل لكم حفدة ، ولكن لا يمتنع على هذا المعنى الظاهر أن يراد بالبنين من لايخدم ، وبالحفدة من يخدم الأب منهم ، أو يراد بالحفدة البنات فقط ، ولا يفيد أنهم أولاد الأولاد إلا إذا كان تقدير الآية : وجعل لكم من أزواجكم بنين ، ومن البنين حفدة ( ورزقكم من الطيبات ) التي تستطيبونها ما وتستلذونها ومن للتبعيض لأن الطيبات لا تكون مجتمعة إلا في الجنة ، ثم ختم سبحانه الآية بقوله ( أفبالباطل يؤمنون ) والاستفهام للإنكار التوبيخي ، والفاء للعطف على مقدر : أي يكفرون بالله فيؤمنون بالباطل ، وفى تقدم " بالباطل " على الفعل دلالة على أنه ليس لهم إيمان إلا به ، والباطل هو اعتقادهم في أصنامهم أنها تضر وتنفع ، وقيل الباطل ما زين لهم الشيطان من تحريم البحيرة والسائبة ونحوهما . قرأ الجمهور " يؤمنون " بالتحتية ، وقرأ أبو بكر بالفوقية على الخطاب ( وبنعمة الله هم يكفرون ) أي ما أنعم به عليهم مما لا يحيط به حصر ، وفى تقديم النعمة وتوسيط ضمير الفصل دليل على أن كفرهم مختص بذلك لا يتجاوزه لقصد المبالغة والتأكيد ( ويعبدون من دون الله ) هو معطوف على يكفرون داخل تحت الإنكار التوبيخي إنكارا منه سبحانه عليهم حيث يعبدون الأصنام ، وهى لا تنفع ولا تضر ، ولهذا قال ( ما لا يملك لهم رزقا من السماوات والأرض شيئا ) قال الأخفش : إن شيئا بدل من الرزق . وقال الفراء : هو منصوب بإيقاع الرزق عليه ، فجعل رزقا مصدرا عاملا في شيئا ، والأخفش جعله اسما للرزق ، وقيل يجوز أن يكون تأكيدا لقوله " لا يملك " أي لا يملك شيئا من الملك ، والمعنى : أن هؤلاء الكفار يعبدون معبودات لا تملك لهم رزقا أي رزق ، ومن السماوات والأرض صفة لرزق : أي كائنا منهما ، والضمير في ( ولا يستطيعون ) راجع إلى ما ، وجمع جمع العقلاء بناء على زعمهم الباطل ، والفائدة في نفى الاستطاعة عنهم أن من لا يملك شيئا قد يكون موصوفا باستطاعة التملك بطريق من الطرق ، فبين سبحانه أنها لا تملك ولا تستطيع ، وقيل يجوز أن يكون الضمير في يستطيعون للكفار : أي لا يستطيع هؤلاء الكفار مع كونهم أحياء متصرفين ، فكيف بالجمادات التي لا حياة لها ولا تستطيع التصرف ؟ ثم نهاهم سبحانه عن أن يشبهوه بخلقه ، فقال ( فلا تضربوا لله الأمثال ) فإن ضارب المثل يشبه حالا بحال وقصة بقصة . قال الزجاج : لا تجعلوا لله مثلا لأنه واحد لا مثل له ، وكانوا يقولون : إن إله العالم أجل من أن يعبده الواحد منا ، فكانوا يتوسلون إلى الأصنام والكواكب ، كما أن أصاغر الناس يخدمون أكابر حضرة الملك ، وأولئك الأكابر يخدمون الملك فنهوا عن ذلك ، وعلل النهى بقوله ( إن الله ) عليم ( يعلم ) ما عليكم من العبادة ( وأنتم لا تعلمون ) ما في عبادتها من سوء العاقبة ، والتعرض لعذاب الله سبحانه ، أو أنتم لا تعلمون بشئ من ذلك ، وفعلكم هذا هو عن توهم فاسد وخاطر باطل وخيال مختل ، ويجوز أن يراد فلا تضربوا لله الأمثال إن الله يعلم كيف تضرب الأمثال وأنتم لا تعلمون ذلك . وقد أخرج ابن جرير عن علي في قوله ( ومنكم من يرد إلى أرذل العمر ) قال : خمس وسبعون سنة . وأخرج ابن أبي حاتم عن السدى قال : هو الخرف . وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة قال : من قرأ القرآن لم يرد إلى أرذل العمر ، ثم قرأ ( لكيلا يعلم بعد علم شيئا ) . وأخرج ابن أبي شيبة عن طاوس قال : العالم لا يخرف . وقد ثبت عنه صلى الله عليه وآله وسلم في الصحيح وغيره أنه كان يتعوذ بالله أن يرد إلى أرذل العمر . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ( والله فضل بعضكم على بعض في الرزق ) قال : لم يكونوا ليشركوا عبيدهم في أموالهم ونسائهم فكيف يشركون عبيدي معي في سلطاني . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في الآية قال : هذا مثل لآلهة الباطل مع الله . وأخرج عبد بن حميد