الشوكاني
177
فتح القدير
أحاديث في كون العسل شفاء : منها ما أخرجه البخاري من حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله سلم قال " الشفاء في ثلاثة في شرطة محجم أو شربة عسل أو كية بنار وأنا أنهى أمتي عن الكي " . وأخرج البخاري ومسلم وغيرها من حديث أبي سعيد " أن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : يا رسول الله إن أخي استطلق بطنه ، فقال : اسقه عسلا فسقاه عسلا ، ثم جاء فقال : سقيته عسلا فما زاده إلا استطلاقا ، قال اذهب فاسقه عسلا فذهب فسقاه ، ثم جاء فقال : ما زاده إلا استطلاقا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : صدق الله وكذب بطن أخيك اذهب فاسقه عسلا ، فذهب فسقاه عسلا فبرأ " . سورة النحل الآية ( 70 - 74 ) . لما ذكر سبحانه بعض أحوال الحيوان وما فيها من عجائب الصنعة الباهرة ، وخصائص القدرة القاهرة ، أتبعه بعجائب خلق الإنسان وما فيه من العبر فقال ( والله خلقكم ) ولم تكونوا شيئا ( ثم يتوفاكم ) عند انقضاء آجالكم ( ومنكم من يرد إلى أرذل العمر ) يقال رذل يرذل رذالة ، والأرذل والرذالة أرادأ الشئ وأوضعه . قال النيسابوري : واعلم أن العقلاء ضبطوا مراتب عمر الإنسان في أربع : أولاها سن النشوء . وثانيها سن الوقوف وهو سن الشباب . وثالثها سن الانحطاط اليسير ، وهو سن الكهولة . ورابعها سن الانحطاط الظاهر ، وهو سن الشيخوخة . قيل وأرذل العمر هو عند أن يصير الإنسان إلى الخرف ، وهو أن يصير بمنزلة الصبي الذي لا عقل له ، وقيل خمس وسبعون سنة ، وقيل تسعون سنة ، ومثل هذه الآية قوله سبحانه - لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين - ثم علل سبحانه رد من يرده إلى أرذل العمر بقوله ( لكيلا يعلم بعد علم ) كان قد حصل له ( شيئا ) من العلم لا كثيرا ولا قليلا أو شيئا من المعلومات إذا كان العلم هنا بمعنى المعلوم ، وقيل المراد بالعلم هنا العقل ، وقيل المراد لئلا يعلم زيادة على علمه الذي قد حصل له قبل ذلك . ثم لما بين سبحانه خلق الإنسان وتقلبه في أطوار العمر ذكر طرفا من أحواله لعله يتذكر عند ذلك فقال ( والله فضل بعضكم على بعض في الرزق ) فجعلكم متفاوتين فيه فوسع على بعض عباده حتى جعل له من الرزق ما يكفي ألوفا مؤلفة من بني آدم ، وضيقه على بعض عباده حتى صار لا يجد القوت إلا بسؤال الناس والتكفف لهم ، وذلك لحكمة بالغة تقصر عقول العباد عن تعقلها والاطلاع على حقيقة أسبابها ، وكما جعل التفاوت بين عباده في المال جعله بينهم في العقل