الشوكاني

173

فتح القدير

سورة النحل الآية ( 63 - 69 ) بين سبحانه أن مثل صنيع قريش قد وقع من سائر الأمم ، فقال مسليا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ( تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك ) أي رسلا ( فزين لهم الشيطان أعمالهم ) الخبيثة ( فهو وليهم اليوم ) يحتمل أن يكون اليوم عبارة عن زمان الدنيا ، فيكون المعنى : فهو قرينهم في الدنيا ، ويحتمل أن يكون اليوم عبارة عن يوم القيامة وما بعده ، فيكون للحال الآتية . ويكون الولي بمعنى الناصر ، والمراد نفى الناصر عنهم على أبلغ الوجوه ، لأن الشيطان لا يتصور منه النصرة أصلا في الدار الآخرة ، وإذا كان الناصر منحصرا فيه لزم أن لا نصرة من غيره ، ويحتمل أن يراد باليوم بعض زمان الدنيا ، وهو على وجهين : الأول أن يراد البعض الذي قد مضى ، وهو الذي وقع فيه التزيين من الشيطان للأمم الماضية فيكون على طريق الحكاية للحال الماضية . الثاني أن يراد البعض الحاضر ، وهو وقت نزول الآية . والمراد تزيين الشيطان لكفار قريش فيكون الضمير في " وليهم " لكفار قريش : أي فهو ولى هؤلاء اليوم . أو على حذف مضاف : أي فهو ولى أمثال أولئك الأمم اليوم ( ولهم عذاب أليم ) أي في الآخرة وهو عذاب النار . ثم ذكر سبحانه أنه ما هلك من هلك إلا بعد إقامة الحجة عليهم وإزاحة العلة منهم فقال ( وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه ) وهذا خطاب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، والمراد بالكتاب القرآن . والاستثناء مفرغ من أعم الأحوال : أي ما أنزلناه عليك لحال من الأحوال ولا لعلة من العلل إلا لعلة التبيين لهم : أي للناس الذي اختلفوا فيه من التوحيد وأحوال البعث وسائر الأحكام الشرعية ، ( و ) انتصاب ( هدى ورحمة ) على أنهما مفعول لهما معطوفان على محل لتبين ، ولا حاجة إلى اللام ، لأنهما فعلا فاعل الفعل المعلل ، بخلاف التبيين فإنه فعل المخاطب لافعل المنزل ( لقوم يؤمنون ) بالله سبحانه ويصدقون ما جاءت به الرسل ونزلت به الكتب . ثم عاد سبحانه إلى تقرير وجوده وتفرده بالإلهية بذكر آياته العظام فقال ( والله أنزل من السماء ماء ) أي من السحاب . أو من جهة العلو كما مر : أي نوعا من أنواع الماء ( فأحيا به الأرض بعد موتها ) أي