الشوكاني

165

فتح القدير

الكتاب كما تقدم . وقال الزجاج : اسألوا كل من يذكر بعلم ، والبينات : الحجج والبراهين ، والزبر : الكتب . وقد تقدم الكلام على هذا في آل عمران ( وأنزلنا إليك الذكر ) أي القرآن ، ثم بين الغاية المطلوبة من الإنزال فقال ( لتبين للناس ) جميعا ( ما نزل إليهم ) في هذا الذكر من الأحكام الشرعية والوعد والوعيد ( ولعلهم يتفكرون ) أي إرادة أن يتأملوا ويعملوا أفكارهم فيتعظوا ( أفأمن الذين مكروا السيئات ) يحتمل أن تكون السيئات صفة مصدر محذوف : أي مكروا المكرات السيئات ، وأن تكون مفعولة للفعل المذكور على تضمينه معنى العمل : أي عملوا السيئات ، أو صفة لمفعول مقدر : أي أفأمن الماكرون العقوبات السيئات ، أو على حذف حرف الجر : أي مكروا بالسيئات ( أن يخسف الله بهم الأرض ) هو مفعول أمن ، أو بدل من مفعوله على القول بأن مفعوله محذوف ، وأن السيئات صفة للمحذوف ، والاستفهام للتقريع والتوبيخ ، ومكر السيئات : سعيهم في إيذاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإيذاء أصحابه على وجه الخفية ، واحتيالهم في إبطال الإسلام ، وكيد أهله ( أن يخسف الله بهم ) كما خسف بقارون ، يقال خسف المكان يخسف خسوفا : ذهب في الأرض : وخسف الله به الأرض خسوفا : أي غاب به فيها ، ومنه قوله - فخسفنا به وبداره الأرض - وخسف هو في الأرض وخسف به ( أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون ) به في حال غفلتهم عنه كما فعل بقوم لوط وغيرهم ، وقيل يريد يوم بدر فإنهم أهلكوا ذلك اليوم ولم يكن في حسبانهم ( أو يأخذهم في تقلبهم ) . ذكر المفسرون فيه وجوها ، فقيل المراد في أسفارهم ومتاجرهم فإنه سبحانه قادر على أن يهلكهم في السفر كما يهلكهم في الحضر ، وهو لا يفوتونه بسبب ضربهم في الأرض ، وبعدهم عن الأوطان ، وقيل المراد في حال تقلبهم في قضاء أوطارهم بوجود الحيل ، فيحول الله بينهم وبين مقاصدهم وحيلهم ، وقيل المراد في حال تقلبهم في الليل على فرشهم ، وقيل في حال إقبالهم وإدبارهم ، وذهابهم ومجيئهم بالليل والنهار ، والقلب بالمعنى الأول مأخوذ من قوله - لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد - ، وبالمعنى الثاني مأخوذ من قوله - وقلبوا لك الأمور - ( فما هم بمعجزين ) أي بفائتين ولا ممتنعين ( أو يأخذهم على تخوف ) أي حال تخوف وتوقع للبلايا بأن يكونوا متوقعين للعذاب حذرين منه غير غافلين عنه ، فهو خلاف ما تقدم من قوله " أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون " ، وقيل معنى " على تخوف " على تنقص . قال ابن الأعرابي : أي على تنقص من الأموال والأنفس والثمرات حتى أهلكهم . قال الواحدي : قال عامة المفسرين : على تخوف قال تنقص : إما بقتل أو بموت ، يعنى بنقص من أطرافهم ونواحيهم يأخذهم الأول فالأول حتى يأتي الأخذ على جميعهم . قال ، والتخوف التنقص ، يقال هو يتخوف المال : أي يتنقصه . ويأخذ من أطرافه انتهى ، يقال تخوفه الدهر وتخونه بالفاء والنون : تنقصه ، قال ذو الرمة : لا بل هو الشوق من دار تخوفها * مرا سحاب ومرا بارح ترب وقال لبيد : * تخوفها نزولي وارتحالي * أي تنقص لحمها وشحمها . قال الهيثم بن عدي : التخوف بالفاء التنقص لغة لأزد شنودة ، وأنشد : تخوف عدوهم مالي وأهدى * سلاسل في الحلوق لها صليل وقيل على تخوف : على عجل قاله الليث بن سعد ، وقيل على تقريع بما قدموه من ذنوبهم ، روى ذلك عن ابن عباس ، وقيل على تخوف : أن يعاقب ويتجاوز قاله قتادة ( فإن ربكم لرءوف رحيم ، لا يعاجل ، بل يمهل رأفة بكم ورحمة لكم مع استحقاقهم للعقوبة ( أو لم يروا إلى ما خلق الله من شئ ) لما خوف سبحانه الماكرين