الشوكاني
17
فتح القدير
الهاء وبعدها همزة ساكنة وضم التاء . وقرأ ابن عامر وأهل الشام بكسر الهاء وبالهمزة وفتح التاء . ومعنى هيت على جميع القراءات معنى هلم وتعال ، لأنها من أسماء الأفعال إلا في قراءة من قرأ بكسر الهاء بعدها همزة وتاء مضمومة ، فإنها بمعنى : تهيأت لك . وأنكر أبو عمرو هذه القراءة . وقال أبو عبيدة : سئل أبو عمرو عن قراءة من قرأ بكسر الهاء والهمزة وضم التاء فقال : باطل جعلها بمعنى تهيأت اذهب فاستعرض العرب حتى تنتهي إلى اليمن ، هل تعرف أحدا يقول هكذا ؟ وأنكرها أيضا الكسائي ، وقال النحاس : هي جيدة عند البصريين ، لأنه يقال : هاء الرجل يهاء ويهىء هيئة ، ورجح الزجاج القراءة الأولى ، وأنشد بيت طرفة المذكور هيتا بالفتح ، ومنه قول الشاعر في علي بن أبي طالب رضي الله عنه : أبلغ أمير المؤمنين * أخا العراق إذا أتيتا إن العراق وأهله * سلم إليك فهيت هيتا وتكون اللام في ( لك ) على القراءات الأولى التي هي فيها بمعنى اسم الفعل للبيان : أي لك . أقول هذا كما في هلم لك . قال النحويون : هيت جاء بالحركات الثلاث : فالفتح للخفة ، والكسر لالتقاء الساكنين ، والضم تشبيها بحيث ، وإذا بين باللام نحو هيت لك فهو صوت قائم مقام المصدر كأف له : أي لك أقول هذا وإن لم يبين باللام فهو صوت قائم مقام مصدر الفعل فيكون اسم فعل ، إما خبر : أي تهيأت ، وإما أمر : أي أقبل . وقال في الصحاح : يقال هوت به وهيت به إذا صاح به ودعاه ، ومنه قول الشاعر : * يحذو بها كل فتى هيات * وقد روى عن ابن عباس والحسن أنها كلمة سريانية معناها أنها تدعوه إلى نفسها . قال أبو عبيدة : كان الكسائي يقول : هي لغة لأهل حوران وقعت إلى أهل الحجاز معناها تعال . قال أبو عبيدة : فسألت شيخا عالما من حوران فذكر أنها لغتهم ( قال معاذ الله ) أي أعوذ بالله معاذا مما دعوتني إليه . فهو مصدر منتصب بفعل محذوف مضاف إلى اسم الله سبحانه ، وجملة ( إنه ربى أحسن مثواي ) تعليل للامتناع الكائن منه ببعض الأسباب التي هي أقرب إلى فهم امرأة العزيز ، والضمير للشأن : أي إن الشأن ربي ، يعني العزيز : أي سيدي الذي رباني وأحسن مثواي حيث أمرك بقوله ( أكرمي مثواه ) ، فكيف أخونه في أهله وأجيبك إلى ما تريدين من ذلك ؟ وقال الزجاج : إن الضمير لله سبحانه : أي إن الله ربي تولاني بلطفه فلا أركب ما حرمه . وجملة ( إنه لا يفلح الظالمون ) تعليل آخر للامتناع منه عن إجابتها ، والفلاح : الظفر . والمعنى : أنه لا يظفر الظالمون بمطالبهم ، ومن جملة الظالمين الواقعون في مثل هذه المعصية التي تطلبها امرأة العزيز من يوسف . قوله ( ولقد همت به وهم بها ) يقال هم بالأمر : إذا قصده وعزم عليه . والمعنى : أنه هم بمخالطتها كما همت بمخالطته ومال كل واحد منهما إلى الآخر بمقتضى الطبيعة البشرية والجبلة الخلقية ، ولم يكن من يوسف عليه السلام القصد إلى ذلك اختيارا كما يفيده ما تقدم من استعاذته بالله ، وإن ذلك نوع من الظلم . ولما كان الأنبياء معصومين عن الهم بالمعصية والقصد إليها شطح أهل العلم في تفسير هذه الآية بما فيه نوع تكلف ، فمن ذلك ما قاله أبو حاتم قال : كنت أقرأ على أبي عبيدة غريب القرآن ، فلما أتيت على ( ولقد همت به وهم بها ) قال : هذا على التقديم والتأخير : كأنه قال : ولقد همت به ولولا أن رأى برهان ربه لهم بها ، وقال أحمد بن يحيى ثعلب : أي همت زليخا بالمعصية وكانت مصرة ، وهم يوسف ولم يوقع ما هم به ، فبين الهمين فرق ، ومن هذا قول الشاعر : هممت بهم من ثنية لؤلؤ * شفيت غليلات الهوى من فؤاديا فهذا إنما هو حديث نفس من غير عزم ، وقيل هم بها : أي هم بضربها ، وقيل هم بها بمعنى تمنى أن