الشوكاني
148
فتح القدير
الأنعام لما فيها من النفع لهذا النوع ، فالامتنان بها أكمل من الامتنان بغيرها ، فقال ( والأنعام خلقها لكم ) وهى الإبل والبقر والغنم ، وأكثر ما يقال نعم وأنعام للإبل ، ويقال للمجموع ، ولا يقال للغنم مفردة ، ومنه قول حسان : وكانت لا يزال بها أنيس * خلال مروجها نعم وشاء فعطف الشاء على النعم ، وهى هنا الإبل خاصة . قال الجوهري : والنعم واحد الأنعام ، وأكثر ما يقع هذا الاسم على الإبل . ثم لما أخبر سبحانه بأنه خلقها لبنى آدم بين المنفعة التي فيها لهم فقال ( فيها دفء ) الدفء : السخانة ، وهو ما استدفئ به من أصوافها وأوبارها وأشعارها ، والجملة في محل النصب على الحال ( ومنافع ) معطوف على دفء ، وهى درها وركوبها ونتاجها والحراثة بها ونحو ذلك . وقد قيل إن الدفء : النتاج واللبن . قال في الصحاح : الدفء نتاج الإبل وألبانها وما ينتفع به منها ، ثم قال : والدفء أيضا السخونة ، وعلى هذا فإن أريد بالدفء المعنى الأول فلا بد من حمل المنافع على ما عداه مما ينتفع به منها ، وإن حمل على المعنى الثاني كان تفسير المنافع بما ذكرناه واضحا ، وقيل المراد بالمنافع النتاج خاصة ، وقيل الركوب ( ومنها تأكلون ) أي من لحومها وشحومها ، وخص هذه المنفعة بالذكر مع دخولها تحت المنافع لأنها أعظمها ، وقيل خصها لأن الانتفاع بلحمها وشحمها تعدم عنده عينها بخلاف غيره من المنافع التي فيها ، وتقديم الظرف المؤذن بالاختصاص للإشارة إلى أن الأكل منها هو الأصل ، وغيره نادر ( ولكم فيها جمال ) أي لكم فيها مع ما تقدم ذكره جمال ، والجمال : ما يتجمل به ويتزين ، والجمال : الحسن ، والمعنى هنا : لكم فيها تجمل وتزين عند الناظرين إليها ( حين تريحون وحين تسرحون ) أي في هذين الوقتين ، وهما وقت ردها من مراعيها ، ووقت تسريحها إليها ، فالرواح رجوعها بالعشي من المراعى ، والسراح : مسيرها إلى مراعيها بالغداة ، يقال سرحت الإبل أسرحها سرحا وسروحا : إذا غدوت بها إلى المرعى ، وقدم الإراحة على التسريح لأن منظرها عند الإراحة أجمل ، وذواتها أحسن لكونها في تلك الحالة قد نالت حاجتها من الأكل والشرب ، فعظمت بطونها وانتفخت ضروعها ، وخص هذين الوقتين لأنهما وقت نظر الناظرين إليها لأنها عند استقرارها في الحظائر لا يراها أحد ، وعند كونها في مراعيها هي متفرقة غير مجتمعة كل واحد منها يرعى في جانب ( وتحمل أثقالكم ) الأثقال جمع ثقل ، وهو متاع المسافر من طعام وغيره وسمى ثقلا لأنه يثقل الإنسان حمله ، وقيل المراد أبدانهم ( إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس ) أي لم تكونوا واصلين إليه لو لم يكن معكم إبل تحمل أثقالكم إلا بشق الأنفس لبعده عنكم ، وعدم وجود ما يحمل ما لا بد لكم منه في السفر . وظاهره يتناول كل بلد بعيدة من غير تعيين ، وقيل المراد بالبلد مكة . وقيل اليمن ومصر والشام لأنها متاجر العرب ، وشق الأنفس : مشقتها . قرأ الجمهور بكسر الشين ، وقرأ أبو جعفر بفتحها . قال الجوهري : والشق المشقة ، ومنه قوله ( لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس ) وحكى أبو عبيدة بفتح الشين ، وهما بمعنى ، ويجوز أن يكون المفتوح مصدرا من شققت عليه أشق شقا ، والمكسور بمعنى النصف ، يقال أخذت شق الشاة وشقة الشاة ، ويكون المعنى على هذا في الآية : لم تكونوا بالغيه إلا بذهاب نصف الأنفس من التعب ، وقد أمتن الله سبحانه على عباده بخلق الأنعام على العموم ، ثم خص الإبل بالذكر لما فيها من نعمة حمل الأثقال دون البقر والغنم ، والاستثناء من أعم العام : أي لم تكونوا بالغيه بشئ من الأشياء إلا بشق الأنفس ( والخيل والبغال والحمير ) بالنصب عطفا على الأنعام : أي وخلق لكم هذه الثلاثة الأصناف ، وقرأ ابن أبي عبلة بالرفع فيها كلها ، وسميت الخيل خيلا لاختيالها في مشيها ، وواحد الخيل خائل كضائن واحد الضأن ، وقيل لا واحد له . ثم علل سبحانه خلق هذه الثلاثة الأنواع بقوله ( لتركبوها ) وهذه العلة هي باعتبار معظم منافعها لأن الانتفاع بها في غير