الشوكاني

144

فتح القدير

الفراء : أراد فاصدع بالأمر : أي أظهر دينك فما مع الفعل على هذا بمنزلة المصدر : وقال ابن الأعرابي : معنى اصدع بما تؤمر : أي اقصد ، وقيل فاصدع بما تؤمر : أي فرق جمعهم وكلمتهم بأن تدعوهم إلى التوحيد فإنهم يتفرقون ، والأولى أن الصدع الإظهار ، كما قاله الزجاج والفراء وغيرهم . قال النحويون : المعنى بما تؤمر به من الشرائع ، وجوزوا أن تكون مصدرية : أي بأمرك وشأنك . قال الواحدي : قال المفسرون : أي اجهر بالأمر : أي بأمرك بعد إظهار الدعوة ، وما زال النبي صلى الله عليه وآله وسلم مستخفيا حتى نزلت هذه الآية ، ثم أمره سبحانه بعد أمره بالصدع بالإعراض وعدم الالتفات إلى المشركين ، فقال ( وأعرض عن المشركين ) أي لا تبال بهم ولا تلتفت إليهم إذا لاموك قد على إظهار الدعوة ، ثم أكد هذا الأمر وثبت قلب رسوله بقوله ( إنا كفيناك المستهزئين ) مع كونهم كانوا من أكابر الكفار ، وأهل الشوكة فيهم فإذا كفاه الله أمرهم بقمعهم وتدميرهم كفاه أمر من هو دونهم بالأولى ، وهؤلاء المستهزئون كانوا خمسة من رؤساء أهل مكة : الوليد بن المغيرة ، والعاص بن وائل والأسود بن المطلب بن الحرث بن زمعة ، والأسود بن عبد يغوث ، والحرث بن الطلاطلة . كذا قال القرطبي ووافقه غيره من المفسرين . وقد أهلكهم الله جميعا وكفاهم أمرهم في يوم واحد ، ثم وصف هؤلاء المستهزئين بالشرك فقال ( الذين يجعلون مع الله إلها آخر ) فلم يكن ذنبهم مجرد الاستهزاء ، بل لهم ذنب آخر وهو الشرك بالله سبحانه ، ثم توعدهم فقال ( فسوف يعلمون ) كيف عاقبتهم في الآخرة وما يصيبهم من عقوبة الله سبحانه ، ثم ذكر تسلية أخرى لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد التسلية الأولى بكفايته شرهم ودفعه لمكرهم فقال ( ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون ) من الأقوال الكفرية المتضمنة للطعن على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالسحر والجنون والكهانة والكذب ، وقد كان يحصل ذلك مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمقتضى الجبلة البشرية والمزاج الإنساني ، ثم أمره سبحانه بأن يفزع لكشف ما نابه من ضيق الصدر إلى تسبيح الله سبحانه وحمده فقال ( فسبح بحمد ربك ) أي متلبسا بحمده : أي افعل التسبيح المتلبس بالحمد ( وكن من الساجدين ) أي المصلين فإنك إذا فعلت ذلك كشف الله همك وأذهب غمك وشرح صدرك ، ثم أمره بعبادة ربه : أي بالدوام عليها إلى غاية هي قوله ( حتى يأتيك اليقين ) أي الموت . قال الواحدي . قال جماعة المفسرين : يعنى الموت لأنه موقن به . قال الزجاج المعنى أعبد ربك أبدا ، لأنه لو قيل اعبد ربك بغير توقيت لجاز إذا عبد الإنسان مرة أن يكون مطيعا ، فإذا قال حتى يأتيك اليقين ، فقد أمره بالإقامة على العبادة أبدا ما دام حيا . وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر عن عمر في قوله ( ولقد آتيناك سبعا من المثاني ) قال : السبع المثاني فاتحة الكتاب . وأخرجه سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والدارقطني وابن مردويه والبيهقي من طرق عن علي بمثله . وأخرجه ابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن ابن مسعود مثله وزاد : والقرآن العظيم سائر القرآن . وأخرج ابن جرير وابن المنذر والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس في الآية قال : فاتحة الكتاب استثناها الله لأمة محمد . فرفعها في أم الكتاب فادخرها لهم حتى أخرجها ولم يعطها أحد قبل ، قيل فأين الآية السابعة ؟ قال : بسم الله الرحمن الرحيم . وروى عنه نحو هذا من طرق . وأخرج ابن الضريس وأبو الشيخ وابن مردويه عن أبي هريرة قال : السبع المثاني فاتحة الكتاب . وأخرج ابن جرير عن أبي بن كعب قال : السبع المثاني الحمد لله رب العالمين . وروى نحو قول هؤلاء الصحابة عن جماعة من التابعين . وقد ثبت في صحيح البخاري من حديث أبي سعيد بن المعلى أنه قال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم " ألا أعلمك أفضل سورة قبل أن أخرج من المسجد ، فذهب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليخرج فذكرت ، فقال : الحمد