الشوكاني

127

فتح القدير

بمقدار معين حسبما تقتضيه مشيئته على مقدار حاجة العباد إليه كما قال سبحانه - ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء - وقد فسر الإنزال بالإعطاء ، وفسر بالإنشاء ، وفسر بالإيجاد ، والمعنى متقارب ، وجملة وما ننزله معطوفة على مقدر : أي وإن من شئ إلا عندنا خزائنه ننزله وما ننزله ، أو في محل نصب على الحال ( وأرسلنا الرياح لواقح ) معطوف على ( وجعلنا لكم فيها معايش ) وما بينهما اعتراض . قرأ حمزة " الريح " بالتوحيد . وقرأ من عداه " الرياح " بالجمع ، وعلى قراءة حمزة فتكون اللام في الريح للجنس قال الأزهري ( وجعل الرياح لواقح ) لأنها تحمل السحاب : أي تقله وتصرفه ، ثم تمر به فتنزله . قال الله سبحانه - حتى إذا أقلت سحابا ثقالا - : أي حملت . وناقة لاقح : إذا حملت الجنين في بطنها ، وبه قال الفراء وابن قتيبة ، وقيل لواقح بمعنى ملقحة . قال ابن الأنباري : تقول العرب : أبقل النبت فهو بأقل : أي مبقل ، والمعنى : أنها تلقح الشجر : أي بقوتها : وقيل معنى لواقح : ذوات لقح . قال الزجاج : معناه وذات لقحة ، لأنها تعصر السحاب وتدره الله كما تدر اللقحة ، يقال رامح : أي ذو رمح ، ولابن : أي ذو لبن ، وتامر : أي ذو تمر . قال أبو عبيدة : لواقح بمعنى ملاقح ، ذهب إلى أنها جمع ملقحة . وفى هذه الآية تشبيه الرياح التي تحمل الماء بالحامل ، ولقاح الشجر بلقاح الحمل ( وأنزلنا من السماء ماء ) أي من الحساب وكل ما علاك فأظلك فهو سماء ، وقيل من جهة السماء ، والمراد بالماء هنا ماء المطر ( فأسقيناكموه ) أي جعلنا ذلك المطر لسقياكم ولشرب مواشيكم وأرضكم . قال أبو علي : يقال سقيته الماء إذا أعطيته قدر ما يروى ، وأسقيته نهرا : أي جعلته شربا له ، وعلى هذا فأسقيناكموه أبلغ من سقيناكموه : قال وقيل سقى وأسقى بمعنى واحد ( وما أنتم له بخازنين ) أي ليست خزائنه عندكم ، بل خزائنه عندنا . ونحن الخازنون له ، فنفى عنهم سبحانه ما أثبته لنفسه في قوله - وإن من شئ إلا عندنا خزائنه - وقيل المعنى : إن ما أنتم له بخازنين بعد أن أنزلناه عليكم : أي لا تقدرون على حفظه في الآبار والغدران والعيون ، بل نحن الحافظون له فيها ليكون ذخيرة لكم عند الحاجة إليه ( وإنا لنحن نحيى ونميت ) أي نوجد الحياة في المخلوقات ونسلبها عنها متى شئنا . والغرض من ذلك الاستدلال بهذه الأمور على كمال قدرته عز وجل ، وأنه القادر على البعث والنشور والجزاء لعباده على حسب ما يستحقونه وتقتضيه مشيئته ، ولهذا قال ( ونحن الوارثون ) أي للأرض ومن عليها . لأنه سبحانه الباقي بعد فناء خلقه ، الحي الذي لا يموت . الدائم الذي لا ينقطع وجوده ، - ولله ميراث السماوات والأرض - ( ولقد علمنا المستقدمين منكم ) هذه اللام هي الموطئة للقسم ، وهكذا اللام في ( ولقد علمنا المستأخرين ) . والمراد من تقدم ولادة وموتا . ومن تأخر فيهما ، وقيل من تقدم طاعة ومن تأخر فيها ، وقيل من تقدم في صف القتال ومن تأخر ، وقيل المراد بالمستقدمين الأموات ، وبالمستأخرين الأحياء ، وقيل المستقدمين هم الأمم المتقدمون على أمة محمد . والمستأخرون هم أمة محمد ، وقيل المستقدمون من قتل في الجهاد ، والمستأخرون من لم يقتل ( وإن ربك هو يحشرهم ) أي هو المتولي لذلك القادر عليه دون غيره كما يفيده ضمير الفصل من الحصر . وفيه أنه سبحانه يجازى المحسن بإحسانه ، والمسئ بإساءته . لأنه الأمر المقصود من الحشر ( إنه حكيم ) يجرى الأمور على ما تقتضيه حكمته البالغة ( عليم ) أحاط علمه بجميع الأشياء لا يخفى عليه شئ منها ، ومن كان كذلك فله القدرة البالغة على كل شئ مما وسعه علمه ، وجرى فيه حكمه سبحانه لا إله إلا هو . وقد أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله ( ولقد جعلنا في السماء بروجا ) قال : كواكب . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة مثله . وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي صالح قال : الكواكب العظام . وأخرج أيضا عن عطية قال : قصورا في السماء فيها الحرس . وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن