الشوكاني

13

فتح القدير

العمران . والوارد : الذي يرد الماء ليستقي للقوم ، وكان اسمه فيما ذكر المفسرون مالك بن ذعر من العرب العاربة ( فأدلى دلوه ) أي أرسله ، يقال أدلى دلوه : إذا أرسلها ليملأها ، ودلاها : إذا أخرجها قاله الأصمعي وغيره . فتعلق يوسف بالحبل ، فلما خرج الدلو من البئر أبصره الوارد ف‍ ( قال يا بشراى ) هكذا قرأ أهل المدينة وأهل مكة وأهل البصرة ، وأهل الشام بإضافة البشرى إلى الضمير . وقرأ أهل الكوفة ( يا بشرى ) غير مضاف ، ومعنى مناداته للبشرى : أنه أراد حضورها في ذلك الوقت ، فكأنه قال : هذا وقت مجيئك وأوان حضورك ، وقيل إنه نادى رجلا اسمه بشرى . والأول أولى . قال النحاس : والمعنى من نداء البشرى التبشير لمن حضر ، وهو أوكد من قولك بشرته كما تقول يا عجبا : أي يا عجب هذا من أيامك فاحضر . قال : وهذا مذهب سيبويه ( وأسروه ) أي أسر الوارد وأصحابه الذين كانوا معه يوسف فلم يظهروه لهم ، وقيل إنهم لم يخفوه ، بل أخفوا وجدانه لهم في الجب ، وزعموا أنه دفعه إليهم أهل الماء ليبيعوه لهم بمصر ، وقيل ضمير الفاعل في أسروه لإخوة يوسف ، وضمير المفعول ليوسف ، وذلك أنه كان يأتيه أخوه يهوذا كل يوم بطعام ، فأتاه يوم خروجه من البئر فأخبر إخوته فأتوا الرفقة وقالوا : هذا غلام أبق منا فاشتروه منهم ، وسكت يوسف مخافة أن يأخذوه فيقتلوه . والأول أولى . وانتصاب بضاعة على الحال : أي أخفوه حال كونه بضاعة : أي متاعا للتجارة ، والبضاعة : ما يبضع من المال : أي يقطع منه لأنها قطعة من المال الذي يتجر به ، قيل قاله لهم الوارد وأصحابه أنه بضاعة استبضعناها من الشام مخافة أن يشاركوهم فيه ، وفي قوله ( والله عليم بما يعملون ) وعيد شديد لمن كان فعله سببا لما وقع فيه يوسف من المحن وما صار فيه من الابتذال بجري البيع والشراء فيه ، وهو الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم : يوسف ابن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم كما قال نبينا صلى الله عليه وآله وسلم في وصفه بذلك . قوله ( وشروه بثمن بخس دراهم معدودة ) يقال شراه بمعنى اشتراه . وشراه بمعنى باعه . قال الشاعر : وشريت بردا ليتني * من بعد برد كنت هامه أي بعته . وقال آخر * فلما شراها فاضت العين عبرة * أي اشتراها * والمراد هنا : وباعوه : اي باعه الوارد وأصحابه ( بثمن بخس ) أي ناقص أو زائف ، وقيل يعود إلى إخوة يوسف على القول السابق ، وقيل عائد إلى الرفقة ، والمعنى : اشتروه ، وقيل بخس : ظلم ، وقيل حرام . قيل باعوه بعشرين درهما ، وقيل بأربعين ، ودراهم بدل من ثمن : أي دنانير . ومعدودة وصف لدراهم ، وفيه إشارة إلى أنها قليلة تعد ولا توزن ، لأنهم كانوا لا يزنون ما دون أوقية وهى أربعون درهما ( وكانوا فيه من الزاهدين ) يقال زهدت وزهدت بفتح الهاء وكسرها . قال سيبويه والكسائي : قال أهل اللغة : يقال زهد فيه : أي رغب عنه ، وزهد عنه : أي رغب فيه . والمعنى : أنهم كانوا فيه من الراغبين عنه الذين لا يبالون به فلذلك باعوه بذلك الثمن البخس ، وذلك لأنهم التقطوه ، والملتقط للشئ : متهاون به ، والضمير من كانوا يرجع إلى ما قبله على حسب اختلاف الأقوال فيه ( وقال الذي اشتراه من مصر ) هو العزيز الذي كان على خزائن مصر ، وكان وزيرا لملك مصر ، وهو الريان بن الوليد من العمالقة ، وقيل إن الملك هو فرعون موسى ، قيل اشتراه بعشرين دينارا ، وقيل تزايدوا في ثمنه فبلغ أضعاف وزنه مسكا وعنبرا وحريرا وورقا وذهبا ولآلئ وجواهر ، فلما اشتراه العزيز قال ( لامرأته ) واللام متعلقة باشتراه ( أكرمي مثواه ) أي منزله الذي يثوي فيه بالطعام الطيب واللباس الحسن ، يقال ثوى بالمكان : أي أقام به ( عسى أن ينفعنا ) أي يكفينا بعض المهمات مما نحتاج إلى مثله فيه ( أو نتخذه ولدا ) أي نتبناه فنجعله ولدا لنا . قيل كان العزيز حصورا لا يولد له ، وقيل كان لا يأتي النساء ، وقد كان تفرس فيه أنه ينوب عنه فيما إليه