الشوكاني
119
فتح القدير
كالسرابيل ، وخص القطران لسرعة اشتعال النار فيه مع نتن رائحته . وقال جماعة هو النحاس : أي قمصانهم من نحاس . وقرأ عيسى بن عمر " من قطران " بفتح القاف وتسكين الطاء . وقرئ بكسر القاف وسكون الطاء ، وقرئ بفتح القاف والطاء ، رويت هذه القراءة عن ابن عباس وأبي هريرة وعكرمة وسعيد بن جبير ويعقوب ، وهذه الجملة في محل نصب على الحال ( وتغشى وجوههم النار ) أي تعلو وجوههم وتضربها ، وخص الوجوه لأنها أشرف ما في البدن ، وفيها الحواس المدركة ، والجملة في محل نصب على الحال أيضا ، و ( ليجزى الله ) متعلق بمحذوف : أي بفعل ذلك بهم ليجزى ( كل نفس ما كسبت ) من المعاصي : أي جزاء موافقا لما كسبت من خير أو شر ( إن الله سريع الحساب ) لا يشغله عنه شئ . وقد تقدم تفسيره ( هذا بلاغ ) أي هذا الذي أنزل إليك بلاغ : أي تبليغ وكفاية في الموعظة والتذكير . قيل إن الإشارة إلى ما ذكره سبحانه هنا من قوله - ولا تحسبن الله غافلا - إلى سريع الحساب - أي هذا فيه كفاية من غير ما انطوت عليه السورة ، وقيل الإشارة إلى جميع السورة ، وقيل إلى القرآن ، ومعنى ( للناس ) للكفار ، أو لجميع الناس على ما قيل في قوله - وأنذر الناس - ، ( ولينذروا به ) معطوف على محذوف : أي لينصحوا ولينذروا به ، والمعنى : وليخوفوا به ، وقرئ " ولينذروا " بفتح الياء التحتية والذال المعجمة ، يقال نذرت بالشئ أنذر : إذا علمت به فاستعددت له ( وليعلموا أنما هو إله واحد ) أي ليعلموا بالأدلة التكوينية المذكورة سابقا وحدانية الله سبحانه ، وأنه لا شريك له ( وليذكر أولوا الألباب ) أي وليتعظ أصحاب العقول ، وهذه اللامات متعلقة بمحذوف ، والتقدير : وكذلك أنزلنا ، أو متعلقة بالبلاغ المذكور : أي كفاية لهم في أن ينصحوا وينذروا ويعلموا بما أقام الله من الحجج والبراهين وحدانيته سبحانه وأنه لا شريك له ، وليتعظ بذلك أصحاب العقول التي تعقل وتدرك . وقد أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله ( إن الله عزيز ذو انتقام ) قال : عزيز والله في أمره ، يملى وكيده متين ، ثم إذا انتقم انتقم بقدرة . وأخرج مسلم وغيره من حديث ثوبان قال " جاء رجل من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : في الظلمة دون الجسر " . وأخرج مسلم أيضا وغيره من حديث عائشة . قالت " أنا أول من سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن هذه الآية ( يوم تبدل الأرض غير الأرض ) قلت : أين الناس يومئذ ؟ قال : على الصراط " . وأخرج البزار وابن المنذر والطبراني في الأوسط وابن مردويه والبيهقي في البعث وابن عساكر عن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " في قول الله ( يوم تبدل الأرض غير الأرض ) قال : أرض بيضاء ، كأنها فضة لم يسفك فيها دم حرام ، ولم يعمل بها خطيئة " . وأخرجه عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ في العظمة والحاكم وصححه والبيهقي في البعث عنه موقوفا نحوه ، قال البيهقي : الموقوف أصح . وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن زيد ابن ثابت قال " أتى اليهود النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال : جاءوني يسألونني وسأخبرهم قبل أن يسألوني ( يوم تبدل الأرض غير الأرض ) قال : أرض بيضاء كالفضة ، فسألهم فقالوا : أرض بيضاء كالنقي " . وأخرج ابن مردويه مرفوعا عن علي نحو ما تقدم عن ابن مسعود . وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن أنس موقوفا نحوه ، وقد روى نحو ذلك عن جماعة من الصحابة ، وثبت في الصحيحين من حديث سهل بن سعد قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول " يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة نقى " . وفيهما أيضا من حديث أبي سعيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة يتكفؤها