الشوكاني
115
فتح القدير
يا محمد ، ويجوز أن يكون خطابا لكل من يصلح له من المكلفين ، وإن كان الخطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم من غير تعريض لأمته فمعناه التثبيت على ما كان عليه من عدم الحسبان كقوله - ولا تكونن من المشركين - ونحوه ، وقيل المراد : ولا تحسبنه يعاملهم معاملة الغافل عما يعملون ، ولكن معاملة الرقيب عليهم ، أو يكون المراد بالنهي عن الحسبان الإيذان بأنه عالم بذلك لا تخفى عليه منه خافية . وفى هذا تسلية لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإعلام للمشركين بأن تأخير العذاب عنهم ليس للرضا بأفعالهم ، بل سنة الله سبحانه في إمهال العصاة ( إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار ) أي يؤخر جزاءهم ولا يؤاخذهم بظلمهم . وهذه الجملة تعليل للنهي السابق . وقرأ الحسن والسلمي وهو رواية عن أبي عمرو بالنون في نؤخرهم . وقرأ الباقون بالتحتية . واختارها أبو عبيد وأبو حاتم لقوله ( ولا تحسبن الله ) ومعنى ( ليوم تشخص فيه الأبصار ) أي ترفع فيه أبصار أهل الموقف ، ولا تغمض من هول ما تراه في ذلك اليوم ، هكذا قال الفراء . يقال : شخص الرجل بصره وشخص البصر نفسه إلى السماء من هول ما يرى ، والمراد أن الأبصار بقيت مفتوحة لا تتحرك من شدة الحيرة والدهشة ( مهطعين ) أي مسرعين من أهطع يهطع إهطاعا : إذا أسرع ، وقيل المهطع : الذي ينظر في ذل وخشوع . ومنه : بدجلة دارهم ولقد أراهم * بدجلة مهطعين إلى السماء وقيل المهطع : الذي يديم النظر . قال أبو عبيدة : قد يكون الوجهان جميعا ، يعنى الإسراع مع إدامة النظر ، وقيل المهطع الذي لا يرفع رأسه . وقال ثعلب : المهطع الذي ينظر في ذل وخضوع ، وقيل هو الساكت . قال النحاس : والمعروف في اللغة أهطع : إذا أسرع ( مقنعي رؤوسهم ) أي رافعي رؤوسهم ، وإقناع الرأس : رفعه ، وأقنع صوته : إذا رفعه ، والمعنى : أنهم يومئذ رافعون رؤوسهم إلى السماء ينظرون إليها نظر فزع وذل ولا ينظر بعضهم إلى بعض . وقيل إن إقناع الرأس نكسه ، وقيل يقال أقنع : إذا رفع رأسه ، وأقنع : إذا طأطأ ذلة وخضوعا ، والآية محتملة للوجهين . قال المبرد : والقول الأول أعرف في اللغة . قال الشاعر : أنغض نحوي رأسه وأقنعا * كأنما أبصر شيئا أطمعا ( لا يرتد إليهم طرفهم ) أي لا ترجع إليهم أبصارهم . وأصل الطرف : تحريك الأجفان ، وسميت العين طرفا لأنه يكون بها . ومن إطلاق الطرف على العين قول عنترة : وأغض طرفي ما بدت لي جارتي * حتى توارى جارتي مأواها ( وأفئدتهم هواء ) الهواء في اللغة : المجرف الخالي الذي لم تشغله الأجرام ، والمعنى : أن قلوبهم خالية عن العقل والفهم لما شاهدوا من الفزع والحياة والدهش ، وجعلها نفس الهوى مبالغة ، ومنه قيل للأحمق والجبان قلبه هواء : أي لا رأى فيه ولا قوة ، وقيل معنى الآية أنها خرجت قلوبهم عن مواضعها فصارت في الحناجر . وقيل المعنى : إن أفئدة الكفار في الدنيا خالية عن الخير ، وقيل المعنى : وأفئدتهم ذات هواء . ومما يقارب معنى هذه الآية قوله تعالى - وأصبح فؤاد أم موسى فارغا أي خاليا من كل شئ إلا من هم موسى ( وأنذر الناس ) هذا رجوع إلى خطاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، أمره الله سبحانه بأن ينذر الناس ، والمراد الناس على العموم ، وقيل المراد كفار مكة ، وقيل الكفار على العموم . والأول أولى لأن الإنذار كما يكون للكافر يكون أيضا للمسلم . ومنه قوله تعالى - إنما تنذر من اتبع الذكر - ومعنى ( يوم يأتيهم العذاب ) يوم القيامة : أي خوفهم هذا اليوم ، وهو يوم إتيان العذاب . وإنما اقتصر على ذكر إتيان العذاب فيه مع كونه يوم إتيان الثواب ، لأن المقام مقام تهديد ، وقيل المراد به يوم موتهم ، فإنه أول أوقات إتيان العذاب ، وقيل المراد يوم هلاكهم بالعذاب العاجل ، وانتصاب يوم