الشوكاني
103
فتح القدير
ويهلك العصاة ويأتي بمن يطيعه من خلقه ، والمقام يحتمل أن يكون هذا الخلق الجديد من نوع الإنسان ، ويحتمل أن يكون من نوع آخر ( وما ذلك على الله بعزيز ) أي بممتنع ، لأنه سبحانه قادر على كل شئ ، وفيه أن الله تعالى هو الحقيق بأن يرجى ثوابه ويخاف عقابه ، فلذلك أتبعه بذكر أحوال الآخرة فقال ( وبرزوا لله جميعا ) أي برزوا من قبورهم يوم القيامة ، والبروز الظهور ، والبراز المكان الواسع لظهوره ، ومنه امرأة برزة : أي تظهر للرجال ، فمعنى برزوا ظهروا من قبورهم . وعبر بالماضي عن المستقبل تنبيها على تحقيق وقوعه كما هو مقرر في علم المعاني ، وإنما قال : وبرزوا لله مع كونه سبحانه عالما بهم لا تخفى عليه خافية من أحوالهم برزوا أو لم يبرزوا ، لأنهم كانوا يستترون عن العيون عند فعلهم للمعاصي ويظنون أن ذلك يخفى على الله تعالى ، فالكلام خارج على ما يعتقدونه ( فقال الضعفاء للذين استكبروا ) أي قال الأتباع الضعفاء للرؤساء الأقوياء المتكبرين لما هم فيه من الرياسة ( إنا كنا لكم تبعا ) أي في الدنيا ، فكذبنا الرسل وكفرنا بالله متابعة لكم ، والتبع جمع تابع ، أو مصدر وصف به للمبالغة أو على تقدير ذوي تبع ، قال الزجاج : جمعهم في حشرهم فاجتمع التابع والمتبوع ، فقال الضعفاء للذين استكبروا من أكابرهم عن عبادة الله إنا كنا لكم تبعا جمع تابع مثل خادم وخدم وحارس وحرس وراصد ورصد ( فهل أنتم مغنون عنا ) أي دافعون عنا من عذاب الله من شئ ، من الأولى للبيان ، والثانية للتبعيض : أي بعض الشئ الذي هو عذاب الله ، يقال أغنى عنه إذا دفع عنه الأذى ، وأغناه إذا أوصل إليه النفع ( قالوا لو هدانا الله لهديناكم ) أي قال المستكبرون مجيبين عن قول المستضعفين ، والجملة مستأنفة بتقدير سؤال كأنه قيل كيف أجابوا ؟ أي لو هدانا الله إلى الإيمان لهديناكم إليه ، وقيل لو هدانا الله إلى طريق الجنة لهديناكم إليها ، وقيل : لو نجانا فإن الله من العذاب لنجيناكم منه ( سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيض ) أي مستو علينا الجزع والصبر ، والهمزة وأم لتأكيد التسوية كما في قوله - سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم - ( ما لنا من محيص ) أي من منجا ومهرب من العذاب ، يقال : حاص فلان عن كذا : أي فر وزاغ يحيص حيصا وحيوصا وحيصانا ، والمعنى : ما لنا وجه نتباعد به عن النار . ويجوز أن يكون هذا من كلام الفريقين . وإن كان الظاهر أنه من كلام المستكبرين ( وقال الشيطان لما قضى الأمر ) أي قال للفريقين هذه المقالة ، ومعنى لما قضى الأمر : لما دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار على ما يأتي بيانه في سورة مريم ( إن الله وعدكم وعد الحق ) وهو وعده سبحانه بالبعث والحساب ، ومجازاة المحسن بإحسانه والمسئ بإساءته ( ووعدتكم فأخلفتكم ) أي وعدتكم وعدا باطلا . بأنه لا بعث ولا حساب ولا جنة ولا نار فأخلفتكم ما وعدتكم به من ذلك . قال الفراء : وعد الحق هو من إضافة الشئ إلى نفسه كقولهم : مسجد الجامع وقال البصريون : وعدكم وعد اليوم الحق ( وما كان لي عليكم من سلطان ) أي تسلط عليكم باظهار حجة على ما وعدتكم به وزينته لكم ( إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي ) أي إلا مجرد دعائي لكم إلى الغواية والضلال بلا حجة ولا برهان ، ودعوته إياهم ليست من جنس السلطان حتى تستثنى منه ، بل الاستثناء منقطع : أي لكن دعوتكم فاستجبتم لي : أي فسارعتم إلى إجابتي ، وقيل المراد بالسلطان هنا القهر : أي ما كان لي عليكم من قهر يضطركم النبي إلى إجابتي ، وقيل هذا الاستثناء هو من باب * تحية بينهم ضرب وجيع * مبالغة في نفيه للسلطان عن نفسه كأنه قال : إنما يكون لي عليكم سلطان إذا كان مجرد الدعاء من السلطان ، وليس منه قطعا ( فلا تلوموني ) بما وقعتم فيه بسبب وعدي لكم بالباطل وإخلافى لهذا الموعد ( ولوموا أنفسكم ) باستجابتكم كما لي بمجرد الدعوة التي لا سلطان عليها ولا حجة ، فإن من قبل المواعيد الباطلة والدعاوى الزائغة عن طريق الحق فعلى نفسه جنى ، ولمارنه قطع ولا سيما ودعوتي هذه الباطلة وموعدي الفاسد وقعا معارضين لوعد الله لكم وعد الحق ودعوته لكم إلى الدار السلام مع قيام الحجة