الشوكاني
98
فتح القدير
بدأ سبحانه هذه السورة بالحمد لله ، للدلالة على أن الحمد كله له ، ولإقامة الحجة على الذين هم بربهم يعدلون . وقد تقدم في سورة الفاتحة ما يغنى عن الإعادة له هنا ، ثم وصف نفسه بأنه الذي خلق السماوات والأرض إخبارا عن قدرته الكاملة الموجبة لاستحقاقه لجميع المحامد ، فإن من اخترع ذلك وأوجده هو الحقيق بإفراده بالثناء وتخصيصه بالحمد ، والخلق يكون بمعنى الاختراع ، وبمعنى التقدير . وقد تقدم تحقيق ذلك ، وجمع السماوات لتعدد طباقها ، وقدمها على الأرض لتقدمها في الوجود - والأرض بعد ذلك دحاها - . قوله ( وجعل الظلمات والنور ) معطوف على خلق ، ذكر سبحانه خلق الجواهر بقوله ( خلق السماوات والأرض ) ثم ذكر خلق الأعراض بقوله ( وجعل الظلمات والنور ) لأن الجواهر لا تستغنى عن الأعراض . واختلف أهل العلم في المعنى المراد بالظلمات والنور ، فقال جمهور المفسرين : المراد بالظلمات سواد الليل ، وبالنور ضياء النهار . وقال الحسن : الكفر والإيمان . قال ابن عطية : وهذا خروج عن الظاهر انتهى . والأولى أن يقال : إن الظلمات تشمل كل ما يطلق عليه اسم الظلمة ، والنور يشمل كل ما يطلق عليه اسم النور فيدخل تحت ذلك ظلمة الكفر ونور الإيمان - أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات - وأفرد النور لأنه جنس يشمل جميع أنواعه ، وجمع الظلمات لكثرة أسبابها وتعدد أنواعها . قال النحاس : جعل هنا بمعنى خلق : وإذا كانت بمعنى خلق لم تتعد إلا إلى مفعول واحد : وقال القرطبي : جعل هنا بمعنى خلق لا يجوز غيره . قال ابن عطية : وعليه يتفق اللفظ والمعنى في النسق ، فيكون الجمع معطوفا على الجمع ، والمفرد معطوفا على المفرد ، وتقديم الظلمات على النور لأنها الأصل ، ولهذا كان النهار مسلوخا من الليل . قوله ( ثم الذين كفروا بربهم يعدلون ) معطوف على الحمد لله ، أو على خلق السماوات والأرض ، وثم لاستبعاد ما صنعه الكفار من كونهم بربهم يعدلون مع ما تبين من أن الله سبحانه حقيق بالحمد على خلقه السماوات والأرض والظلمات والنور ، فإن هذا يقتضى الإيمان به وصرف الثناء الحسن إليه ، لا الكفر به واتخاذ شريك له ، وتقديم المفعول للاهتمام ، ورعاية الفواصل ، وحذف المفعول لظهوره : أي يعدلون به مالا يقدر على شئ مما يقدر عليه ، وهذا نهاية الحمق وغاية الرقاعة حيث يكون منه سبحانه تلك النعم ، ويكون من الكفرة الكفر . قوله ( هو الذي خلقكم من طين ) في معناه قولان : أحدهما وهو الأشهر ، وبه قال الجمهور أن المراد آدم عليه السلام ، وأخرجه مخرج الخطاب للجميع ، لأنهم ولده ونسله . الثاني أن يكون المراد جميع البشر باعتبار أن النطفة التي خلقوا منها مخلوقة من الطين ، ذكر الله سبحانه خلق آدم وبنيه بعد خلق السماوات والأرض اتباعا للعالم الأصغر بالعالم الأكبر ، والمطلوب بذكر هذه الأمور دفع كفر الكافرين بالبعث ورد لجحودهم بما هو مشاهد لهم لا يمترون فيه . قوله ( ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده ) جاء بكلمة " ثم " لما بين خلقهم وبين موتهم من التفاوت . وقد اختلف السلف ومن بعدهم في تفسير الأجلين ، فقيل ( قضى أجلا ) يعنى الموت ( وأجل مسمى عنده ) يعنى القيامة ، وهو مروى عن ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن وقتادة والضحاك ومجاهد وعكرمة وزيد بن أسلم وعطية والسدي وخصيف ومقاتل وغيرهم ، وقيل الأول ما بين أن يخلق إلى أن يموت ، والثاني ما بين أن يموت إلى أن يبعث ، وهو قريب من الأول . وقيل الأول مدة الدنيا ، والثاني عمر الإنسان إلى حين موته . وهو مروى عن ابن عباس ومجاهد . وقيل الأول قبض الأرواح في النوم ، والثاني قبض الروح عند الموت . وقيل الأول ما يعرف من أوقات الأهلة والبروج وما يشبه ذلك ، والثاني أجل الموت . وقيل الأول لمن مضى . والثاني