الشوكاني
86
فتح القدير
سورة المائدة الآية ( 107 - 108 ) قال مكي : هذه الآيات الثلاث عند أهل المعاني من أشكل ما في القرآن إعرابا ومعنى وحكما . قال ابن عطية : هذا كلام من لم يقع له النتاج في تفسيرها ، وذلك بين من كتابه رحمه الله : يعني من كتاب مكي . قال القرطبي : ما ذكره مكي ذكره أبو جعفر النحاس قبله أيضا . قال السعد في حاشيته على الكشاف : واتفقوا على أنها أصعب ما في القرآن إعرابا ونظما وحكما . قوله ( شهادة بينكم ) أضاف الشهادة إلى البين توسعا لأنها جارية بينهم ، وقيل أصله شهادة ما بينكم فحذفت " ما " وأضيفت إلى الظرف كقوله تعالى - بل مكر الليل والنهار - ومنه قول الشاعر : تصافح من لاقيت لي ذا عداوة * صفايا وعني بين عينيك منزوي أراد ما بين عينيك ، ومثله قول الآخر : * ويوما شهدناه سليما وعامرا * أي شهدنا فيه ، ومنه قوله تعالى - هذا فراق بيني وبينك - قيل والشهادة هنا بمعنى الوصية ، وقيل بمعنى الحضور للوصية . وقال ابن جرير الطبري : هي هنا بمعنى اليمين ، فيكون المعنى : يمين ما بينكم أن يحلف اثنان . واستدل على ما قاله بأنه لا يعلم لله حكما يجب فيه على الشاهد يمين . واختار هذا القول القفال ، وضعف ذلك ابن عطية واختار أن الشهادة هنا هي الشهادة التي تؤدى من الشهود . قوله ( إذا حضر أحدكم الموت ) ظرف للشهادة ، والمراد إذا حضرت علاماته ، لأن من مات لا يمكنه الإشهاد ، وتقديم المفعول للاهتمام ولكمال تمكن الفاعل عند النفس . وقوله ( حين الوصية ) ظرف لحضر أو للموت ، أو بدل من الظرف الأول . وقوله ( اثنان ) خبر شهادة على تقدير محذوف : أي شهادة اثنين أو فاعل للشهادة على أن خبرها محذوف : أي فيما فرض عليكم شهادة بينكم اثنان على تقدير أن يشهد اثنان ، ذكر الوجهين أبو علي الفارسي . قوله ( ذوا عدل منكم ) صفة للاثنان وكذا منكم : أي كائنان منكم : أي من أقاربكم ( أو آخران ) معطوف على ( اثنان ) ، و ( من غيركم ) صفة له : أي كائنان من الأجانب ، وقيل إن الضمير في ( منكم ) للمسلمين ، وفى ( غيركم ) للكفار وهو الأنسب لسياق الآية ، وبه قال أبو موسى الأشعري وعبد الله ابن عباس وغيرهما ، فيكون في الآية دليل على جواز شهادة أهل الذمة على المسلمين في السفر في خصوص الوصايا كما يفيده النظم القرآني ، ويشهد له السبب للنزول وسيأتي ، فإذا لم يكن مع الموصى من يشهد على وصيته من المسلمين فليشهد رجلان من أهل الكفر ، فإذا قدما وأديا الشهادة على وصيته حلفا بعد الصلاة أنهما ما كذبا ولا بدلا ، وأن ما شهدا به حق ، فيحكم حينئذ بشهادتهما ( فإن عثر ) بعد ذلك ( على أنهما ) كذبا أو خانا حلف رجلان من أولياء الموصى وغرم الشاهدان الكافران ما ظهر عليهما من خيانة أو نحوها ، هذا معنى الآية عند من تقدم ذكره ، وبه قال سعيد بن المسيب ويحيى بن يعمر وسعيد بن جبير وأبو مجلز والنخعي وشريح وعبيدة السلماني وابن سيرين ومجاهد وقتادة والسدي والثوري وأبو عبيد وأحمد بن حنبل . وذهب إلى الأول : أعني تفسير ضمير ( منكم ) بالقرابة أو العشيرة ، وتفسير ( من غيركم ) بالأجانب الزهري والحسن وعكرمة . وذهب مالك والشافعي وأبو حنيفة وغيرهم من الفقهاء أن الآية منسوخة ، واحتجوا بقوله - ممن ترضون من الشهداء - . وقوله - وأشهدوا ذوي عدل منكم - والكفار ليسوا بمرضيين ولا عدول ، وخالفهم الجمهور فقالوا : الآية محكمة ، وهو الحق لعدم وجود دليل صحيح يدل على النسخ . وأما قوله تعالى - ممن ترضون من الشهداء - وقوله - وأشهدوا ذوي عدل منكم - فهما عامان في الأشخاص والأزمان والأحوال ، وهذه الآية خاصة بحالة الضرب في الأرض