الشوكاني
84
فتح القدير
من الإبل إذا ولد لولده قالوا حمى هذا ظهره فلا يحملون عليه شيئا ، ولا يجزون له وبرا ، ولا يمنعونه من حمى ولا من حوض يشرب منه ، وإن كان الحوض لغير صاحبه . وأخرج نحوه عنه ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق العوفي . سورة المائدة الآية ( 104 - 105 ) أي الزموا أنفسكم أو احفظوها كما تقول عليك زيدا : أي ألزمه ، قرئ ( لا يضركم ) بالجزم على أنه جواب الأمر الذي يدل عليه اسم الفعل . وقرأ نافع وغيره بالرفع على أنه مستأنف ، كقول الشاعر : فقال رائدهم أرسوا نزاولها * أو علي أن ضم الراء للاتباع ، وقرئ ( لا يضركم ) بكسر الضاد ، وقرئ " لا يضيركم " والمعنى : لا يضركم ضلال من ضل من الناس إذا اهتديتم للحق أنتم في أنفسكم ، وليس في الآية ما يدل على سقوط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فإن من تركه مع كونه من أعظم الفروض الدينية فليس بمهتد . وقد قال الله سبحانه ( إذا اهتديتم ) وقد دلت الآيات القرآنية ، والأحاديث المتكاثرة على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجوبا مضيقا متحتما ، فتحمل هذه الآية على من لا يقدر على القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، أو لا يظن التأثير بحال من الأحوال ، أو يخشى على نفسه أن يحل به ما يضره ضررا يسوغ له معه الترك ( إلى الله مرجعكم ) يوم القيامة ( فينبئكم بما كنتم تعملون ) في الدنيا فيجازى المحسن بإحسانه والمسئ بإساءته . وقد أخرج ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد وأبو داود والترمذي وصححه ، والنسائي وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان والدارقطني والضياء في المختارة وغيرهم . عن قيس بن أبي حازم قال : قام أبو بكر فحمد الله وأثنى عليه وقال : يا أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية ( يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ) وإنكم تضعونها على غير مواضعها ، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول " إن الناس إذا رأوا المنكر ولم يغيروه أو شك أن يعمهم الله بعقاب " وفى لفظ لابن جرير عنه " والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليعمنكم الله منه بعقاب " . وأخرج الترمذي وصححه . وابن ماجة وابن جرير والبغوي في معجمه ، وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ والحاكم وصححه . وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن أبي أمية الشعثاني قال : أتيت أبا ثعلبة الخشني فقلت له : كيف تصنع في هذه الآية ؟ قال : أية آية ؟ قلت : قوله ( يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ) قال : أما والله لقد سألت عنها خبيرا ، سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال " بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأى برأيه فعليك بخاصة نفسك ودع عنك أمر العوام ، فإن من ورائكم أياما الصبر فيهن مثل القبض على الجمر ، للعامل فيهن أجر خمسين رجلا يعملون مثل عملكم " وفى لفظ " قيل يا رسول الله أجر خمسين رجلا منا أو منهم ؟ قال : بل أجر خمسين منكم " . وأخرج أحمد وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن عامر الأشعري أنه كان فيهم أعمى ، فاحتبس على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم أتاه فقال : ما حبسك ؟ قال : يا رسول الله قرأت هذه الآية ( يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم