الشوكاني

8

فتح القدير

شعائر الله ) وفي قوله ( ولا الشهر الحرام ) يعنى : لا تستحلوا قتالا فيه ( ولا آمين البيت الحرام ) يعني من توجه قبل البيت الحرام ، فكان المؤمنون والمشركون يحجون جميعا ، فنهى الله المؤمنين أن يمنعوا أحدا حج البيت أو يتعرضوا له من مؤمن أو كافر ، ثم أنزل الله بعد هذه الآية - إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا - وفي قوله ( يبتغون فضلا ) يعني أنهم يرضون الله بحجهم ( ولا يجرمنكم ) يقول : لا يحملنكم ( شنآن قوم ) يقول عداوة قوم ( وتعاونوا على البر والتقوى ) قال : البر ما أمرت به ، والتقوى ما نهيت عنه . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه في الآية قال : شعائر الله ما نهى الله عنه أن تصيبه وأنت محرم ، والهدى : ما لم يقلد والقلائد مقلدات الهدى ( ولا آمين البيت الحرام ) يقول : من توجه حاجا . وأخرج ابن جرير عنه في قوله ( لا تحلوا شعائر الله ) قال : مناسك الحج . وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم قال : كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالحديبية وأصحابه حين صدهم المشركون عن البيت ، وقد اشتد ذلك عليهم ، فمر بهم أناس من المشركين من أهل المشرق يريدون العمرة ، فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : نصد هؤلاء كما صدنا أصحابنا ، فأنزل الله ( ولا يجرمنكم ) الآية . وأخرج أحمد وعبد بن حميد والبخاري في تاريخه عن وابصة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال له " البر ما اطمأن إليه القلب واطمأنت إليه النفس ، والإثم ما حاك في القلب وتردد في الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك " . وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري في الأدب ومسلم والترمذي والحاكم والبيهقي عن النواس بن سمعان قال : سألت النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن البر والإثم ، فقال : " البر حسن الخلق ، والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس " . وأخرج أحمد وعبد بن حميد وابن حبان والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي عن أبي أمامة أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الإثم ، فقال : " ما حاك في نفسك فدعه . قال فما الإيمان ؟ قال : من ساءته سيئته وسرته حسنته فهو مؤمن " . هذا شروع في المحرمات التي أشار إليها سبحانه بقوله ( إلا ما يتلى عليكم ) . والميتة قد تقدم ذكرها في البقرة ، وكذلك الدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله ، وما هنا من تحريم مطلق الدم مقيد بكونه مسفوحا كما تقدم حملا للمطلق على المقيد ، وقد ورد في السنة تخصيص الميتة بقوله صلى الله عليه وآله وسلم " أحل لنا ميتتان ودمان ، فأما الميتتان فالحوت والجراد وأما الدمان فالكبد والطحال " أخرجه الشافعي وأحمد وابن ماجة والدارقطني والبيهقي وفي إسناده يقال ، ويقويه حديث " هو الطهور ماؤه والحل ميتته " وهو عند أحمد وأهل السنن وغيرهم وصححه جماعة منهم ابن خزيمة وابن حبان ، وقد أطلنا الكلام عليه في شرحنا للمنتقى . والإهلال رفع الصوت لغير الله كأن يقول بسم اللات والعزى ونحو ذلك ، ولا حاجة بنا هنا إلى تكرير ما قد أسلفناه ففيه مالا يحتاج الناظر فيه إلى غيره . ( والمنخنقة ) هي التي تموت بالخنق : وهو حبس النفس سواء كان ذلك بفعلها كأن تدخل رأسها في حبل أو بين