الشوكاني

78

فتح القدير

وقرئ بنصبهما على تقدير فليخرج جزاء مثل ما قتل ، وقرأ الحسن ( النعم ) بسكون العين تخفيفا ( يحكم به ) أي بالجزاء أو بمثل ما قتل ( ذوا عدل منكم ) أي رجلان معروفان بالعدالة بين المسلمين ، فإذا حكما بشئ لزم ، وإن اختلفا رجع إلى غيرهما ، ولا يجوز أن يكون الجاني أحد الحكمين ، وقيل يجوز ، وبالأول قال أبو حنيفة ، وبالثاني قال الشافعي في أحد قوليه : وظاهر الآية يقتضي حكمين غير الجاني . قوله ( هديا بالغ الكعبة ) نصب هديا على الحال أو البدل من مثل ، و ( بالغ الكعبة ) صفة لهديا ، لأن الإضافة غير حقيقية ، والمعنى أنهما إذا حكما بالجزاء فإنه يفعل به ما يفعل بالهدي من الإرسال إلى مكة والنحر هنالك ، والإشعار والتقليد ، ولم يرد الكعبة بعينها فإن الهدى لا يبلغها ، وإنما أراد الحرم ، ولا خلاف في هذا . قوله ( أو كفارة ) معطوف على محل من النعم : وهو الرفع لأنه خبر مبتدأ محذوف ، و ( طعام مساكين ) عطف بيان لكفارة أو بدل منه أو خبر مبتدأ محذوف ( أو عدل ذلك ) معطوف على طعام ، وقيل هو معطوف على جزاء ، وفيه ضعف ، فالجاني مخير بين هذه الأنواع المذكورة ، وعدل الشئ ما عادله من غير جنسه ، و ( صياما ) منصوب على التمييز ، وقد قرر العلماء عدل كل صيد من الإطعام والصيام ، وقد ذهب إلى أن الجاني يخير بين الأنواع المذكورة جمهور العلماء . وروي عن ابن عباس أنه لا يجزئ المحرم الإطعام والصوم إلا إذا لم يجد الهدى ، والعدل بفتح العين وكسرها لغتان وهم الميل قاله الكسائي . وقال الفراء : عدل الشئ بكسر العين مثله من جنسه ، وبفتح العين مثله من غير جنسه ، وبمثل قول الكسائي قال البصريون . قوله ( ليذوق وبال أمره ) عليه لإيجاب الجزاء : أي أوجبنا ذلك عليه ليذوق وبال أمره ، والذوق مستعار لإدراك المشقة ، ومثله - ذق إنك أنت العزيز الكريم - والوبال : سوء العاقبة ، والمرعى الوبيل : الذي يتأذى به بعد أكله ، وطعام وبيل : إذا كان ثقيلا . قوله ( عفا الله عما سلف ) يعنى في جاهليتكم من قتلكم للصيد ، وقيل عما سلف قبل نزول الكفارة ( ومن عاد ) إلى ما نهيتم عنه من قتل الصيد بعد هذا البيان ( فينتقم الله منه ) خبر مبتدأ محذوف ، أي فهو ينتقم الله منه . قيل المعنى : إن الله ينتقم منه في الآخرة فيعذبه بذنبه ، وقيل ينتقم منه بالكفارة . قال شريح وسعيد بن جبير : يحكم عليه في أول مرة ، فإذا عاد لم يحكم عليه بل يقال له : اذهب ينتقم الله منك : أي ذنبك أعظم من أن يكفر . قوله ( أحل لكم صيد البحر ) الخطاب لكل مسلم أو للمحرمين خاصة ، وصيد البحر ما يصاد فيه ، والمراد بالبحر هنا كل ماء يوجد فيه صيد بحري وإن كان نهرا أو غديرا . قوله ( وطعامه متاعا لكم وللسيارة ) الطعام لكل ما يطعم ، وقد تقدم . وقد اختلف في المراد به هنا فقيل : هو ما قذف به البحر وطفا عليه ، وبه قال كثير من الصحابة والتابعين ، وقيل طعامه ما ملح منه وبقى ، وبه قال جماعة . وروي عن ابن عباس ، وقيل طعامه ملحه الذي ينعقد من مائه وسائر ما فيه من نبات وغيره ، وبه قال قوم ، وقيل المراد به ما يطعم من الصيد : أي ما يحل أكله وهو السمك فقط ، وبه قالت الحنفية . والمعنى : أحل لكم الانتفاع بجميع ما يصاد في البحر . وأحل لكم المأكول منه وهو السمك ، فيكون التخصيص بعد التعميم ، وهو تكلف لا وجه له ، ونصب " متاعا " على أنه مصدر : أي متعمم به متاعا . وقيل مفعول له مختص بالطعام : أي أحل لكم طعام البحر متاعا ، وهو تكلف جاء به من قال بالقول الأخير . بل إذا كان مفعولا له كان من الجميع : أي أحل لكم مصيد البحر وطعامه تمتيعا لكم : أي لمن كان مقيما منكم يأكله طريا ( وللسيارة ) أي المسافرين منكم يتزودونه ويجعلونه قديدا ، وقيل السيارة : هم الذين يركبونه خاصة . قوله ( وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما ) أي حرم عليكم ما يصاد في البر ما دمتم محرمين . وظاهرة تحريم صيده على المحرم ولو كان الصائد حلالا ، وإليه ذهب الجمهور إن كان الحلال صاده للمحرم لا إذا لم يصده لأجله ، وهو القول الراجح ،