الشوكاني

75

فتح القدير

( اتقوا ) الشرك ( وآمنوا ) بالله ورسوله ( ثم اتقوا ) الكبائر ( وآمنوا ) أي ازدادوا إيمانا ( ثم اتقوا ) الصغائر ( وأحسنوا ) أي تنفلوا . قال ابن جرير الطبري : الاتقاء الأول هو الاتقاء بتلقي أمر الله بالقبول والتصديق والدينونة به والعمل ، والاتقاء الثاني الاتقاء بالثبات على التصديق ، والثالث الاتقاء بالإحسان والتقرب بالنوافل ، وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن ابن عمر قال : نزل في الخمر ثلاث آيات ، فأول شئ - يسألونك عن الخمر والميسر - الآية ، فقيل حرمت الخمر ، فقيل يا رسول الله دعنا ننتفع بها كما قال الله ، فسكت عنهم ، ثم نزلت هذه الآية - لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى - ، فقيل حرمت الخمر ، فقالوا : يا رسول الله لا نشربها قرب الصلاة ، فسكت عنهم ، ثم نزلت ( يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر ) الآية فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " حرمت الخمر " وأخرج أحمد عن أبي هريرة قال : حرمت الخمر ثلاث مرات وذكر نحو حديث ابن عمر ، فقال الناس : يا رسول الله ناس قتلوا في سبيل الله وماتوا على فراشهم كانوا يشربون الخمر ويأكلون الميسر ، وقد جعله الله رجسا من عمل الشيطان ، فأنزل الله ( ليس على الذين آمنوا ) الآية ، وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : " لو حرم عليهم لتركوه كما تركتم " . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه وأبو الشيخ وابن مردويه عن سعد بن أبي وقاص قال : في نزل تحريم الخمر ، صنع رجل من الأنصار طعاما فدعا ناسا فأتوه ، فأكلوا وشربوا حتى انتشوا من الخمر ، وذلك قبل تحرم الخمر فتفاخروا ، فقالت الأنصار : الأنصار خير من المهاجرين ، وقالت قريش : قريش خير ، فأهوى رجل بلحي جمل فضرب على أنفي ، فأتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فذكرت ذلك له ، فنزلت هذه الآية ( يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر ) الآية . وأخرج عبد بن حميد والنسائي وابن جرير وابن المنذر والطبراني وأبو الشيخ والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس قال : أنزل تحريم الخمر في قبيلتين من الأنصار شربوا ، فلما أن ثمل القوم عبث بعضهم ببعض ، فلما أن صحوا جعل يرى الرجل منهم الأثر بوجهه وبرأسه ولحيته ، فيقول صنع بي هذا أخي فلان وكانوا إخوة ليس في قلوبهم ضغائن ، والله لو كان بي رؤوفا رحيما ما صنع بي هذا حتى وقعت الضغائن في قلوبهم ، فأنزل الله هذه الآية ( يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر ) إلى قوله ( فهل أنتم منتهون ) فقال ناس من المتكلفين : هي رجس ، وهي في بطن فلان قتل يوم بدر وفلان قتل يوم أحد ، فأنزل الله هذه الآية ( ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا ) الآية . وقد رويت في سبب النزول روايات كثيرة موافقة لما قد ذكرناه . وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قال : الميسر هو القمار كله . وأخرج ابن مردويه عن وهب بن كيسان قال : قلت لجابر متى حرمت الخمر ؟ قال : بعد أحد . وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن قتادة قال : نزل تحريم الخمر في سورة المائدة ، بعد غزوة الأحزاب . وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ عن ابن عباس قال : كل القمار من الميسر حتى لعب الصبيان بالجوز والكعاب . وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن علي بن أبي طالب قال : النرد والشطرنج من الميسر . وأخرج عبد بن حميد عن علي قال : الشطرنج ميسر الأعاجم . وأخرج ابن أبي حاتم عن القاسم بن محمد أنه سئل عن النرد أهي من الميسر ؟ قال : كل من ألهى عن ذكر الله وعن الصلاة فهو من ميسر . وأخرج عبد ابن حميد وابن أبي الدنيا في ذم الملاهي والبيهقي في الشعب عنه أيضا أنه قيل له : هذه النرد تكرهونها فما بال الشطرنج ؟ قال : كل ما ألهى عن ذكر الله وعن الصلاة فهو من الميسر . وأخرجوا أيضا عن ابن الزبير قال : يا أهل مكة بلغني عن رجال يلعبون بلعبة يقال لها النردشير ، والله يقول في كتابه ( يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر )