الشوكاني

66

فتح القدير

يقتضيه العقل ، وبالثاني كفرهم بما يقتضيه الشرع . قوله ( لعن الذين كفروا من بني إسرائيل ) أي لعنهم الله سبحانه ( على لسان داود وعيسى ابن مريم ) أي في الزبور والإنجيل على لسان داود وعيسى بما فعلوه من المعاصي كاعتدائهم في السبت وكفرهم بعيسى . قوله ( ذلك بما عصوا ) جملة مستأنفة جواب عن سؤال مقدر ، والإشارة بذلك إلى اللعن : أي ذلك اللعن بسبب المعصية والاعتداء لا بسبب آخر ، ثم بين سبحانه المعصية والاعتداء بقوله ( كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه ) فأسند الفعل إليهم لكون فاعله من جملتهم وإن لم يفعلوه جميعا . والمعنى : أنهم كانوا لا ينهون العاصي عن معاودة معصية قد فعلها ، أو تهيأ لفعلها ، ويحتمل أن يكون وصفهم بأنهم قد فعلوا المنكر باعتبار حالة النزول لا حالة ترك الإنكار ، وبيان العصيان والاعتداء بترك التناهي عن المنكر لأن من أخل بواجب النهي عن المنكر فقد عصى الله سبحانه وتعدى حدوده . والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أهم القواعد الإسلامية وأجل الفرائض الشرعية ، ولهذا كان تاركه شريكا لفاعل المعصية ومستحقا لغضب الله وانتقامه كما وقع لأهل السبت ، فإن الله سبحانه مسخ من لم يشاركهم في الفعل ولكن ترك الإنكار عليهم ، كما مسخ المعتدين فصاروا جميعا قردة وخنازير - إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد - ثم إن الله سبحانه قال مقبحا لعدم التناهي عن المنكر ( لبئس ما كانوا يفعلون ) أي من تركهم لإنكار ما يجب عليهم إنكاره ( ترى كثيرا منهم ) أي من اليهود مثل كعب بن الأشرف وأصحابه ( يتولون الذين كفروا ) أي المشركين وليسوا على دينهم ( لبئس ما قدمت لهم أنفسهم ) أي سولت وزينت ، أو ما قدموه لأنفسهم ليردوا عليه يوم القيامة ، والمخصوص بالذم هو ( أن سخط الله عليهم ) أي موجب سخط الله عليهم على حذف مضاف أو هو سخط الله عليهم على حذف المبتدأ ، وقيل هو : أي أن سخط الله عليهم بدل من ما ( ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي ) أي نبيهم ( وما أنزل إليه ) من الكتاب ( ما اتخذوهم ) أي المشركين ( أولياء ) لأن الله سبحانه ورسوله المرسل إليهم وكتابه المنزل عليهم قد نهوهم عن ذلك ( ولكن كثيرا منهم فاسقون ) أي خارجون عن ولاية الله وعن الإيمان به وبرسوله وبكتابه . وقد أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله ( لا تغلوا في دينكم ) يقول : لا تبتدعوا . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد قال : كانوا مما غلوا فيه أن دعوا لله صاحبة وولدا . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله ( وضلوا عن سواء السبيل ) قال : يهود . وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وأبو داود والترمذي وحسنه وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي عن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل كان الرجل يلقى الرجل فيقول له : يا هذا اتق الله ودع ما تصنع فإنه لا يحل لك ، ثم يلقاه من الغد فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده ، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض ثم قال ( لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود ) إلى قوله ( فاسقون ) ثم قال : كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد الظالم ولتأطرنه على الحق أطرا " . وقد روي هذا الحديث من طرق كثيرة . والأحاديث في هذا الباب كثيرة جدا فلا نطول بذكرها . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ( لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود ) يعني في الزبور ( وعيسى ابن مريم ) يعني في الإنجيل . وأخرج أبو عبيد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي مالك الغفاري في الآية قال : لعنوا على لسان داود فجعلوا قردة ، وعلى لسان عيسى فجعلوا خنازير . وأخرج ابن جرير عن مجاهد مثله . وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة نحوه . وأخرج الديلمي في مسند الفردوس عن أبي عبيدة بن الجراح مرفوعا : قتلت