الشوكاني
63
فتح القدير
يحزنون ) والمبتدأ وخبره خبر لأن ، ودخول الفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط ، والعائد إلى اسم إن محذوف : أي من آمن منهم ، ويجوز أن يكون من آمن بدلا من اسم إن وما عطف عليه ، ويكون خبر إن ( فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) " والمعنى على تقدير كون المراد بالذين آمنوا المنافقين كما قدمنا : أن من آمن من هذه الطوائف إيمانا خالصا على الوجه المطلوب وعمل عملا صالحا ، فهو الذي لا خوف عليه ولا حزن ، وأما على تقدير كون المراد بالذين آمنوا جميع أهل الإسلام : المخلص والمنافق ، فالمراد بمن آمن من اتصف بالإيمان الخالص واستمر عليه ، ومن أحدث إيمانا خالصا بعد نفاقه . قوله ( لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل ) كلام مبتدأ لبيان بعض أفعالهم الخبيثة . وقد تقدم في البقرة بيان معنى الميثاق ( وأرسلنا إليهم رسلا ) ليعرفوهم بالشرائع وينذروهم ( كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم ) جملة شرطية وقعت جوابا لسؤال ناس من الأحبار بإرسال الرسل كأنه قيل : ماذا فعلوا بالرسل ؟ وجواب الشرط محذوف : أي عصوه . وقوله ( فريقا كذبوا وفريقا يقتلون ) جملة مستأنفة أيضا جواب عن سؤال ناس عن الجواب الأول كأنه قيل : كيف فعلوا بهم ( فقيل فريقا منهم كذبوهم ولم يتعرضوا لهم بضرر ، وفريقا آخر منهم قتلوهم ، وإنما قال ( وفريقا يقتلون ) لمراعاة رؤوس الآي ، فمن كذبوه عيسى وأمثاله من الأنبياء ، وممن قتلوه زكريا ويحيى . قوله ( وحسبوا أن لا تكون فتنة ) أي حسب هؤلاء الذين أخذ الله عليهم الميثاق أن لا يقع من الله عز وجل ابتلاء واختيار بالشدائد اعتزازا بقولهم ( نحن أبناء الله وأحباؤه ) . قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي ( تكون ) بالرفع على أن أن هي المخففة من الثقيلة ، وحسب بمعنى علم ، لأن أن معناه التحقيق . وقرأ الباقون بالنصب على أن أن ناصبة للفعل ، وحسب بمعنى الظن ، قال النحاس : والرفع عند النحويين في حسبت وأخواتها أجود ، ومثله : ألا زعمت بسباسة اليوم أنني * كبرت وأن لا يشهد اللهو أمثالي قوله ( فعموا وصموا ) أي عموا عن أبصار الهدى ، وصموا عن استماع الحق ، وهذه إشارة إلى ما وقع من بني إسرائيل في الابتداء من مخالفة أحكام التوراة ، وقتل شعيا ، ثم تاب الله عليهم حين تابوا ، فكشف عنهم القحط ( ثم عموا وصموا كثير منهم ) وهذا إشارة إلى ما وقع منهم بعد التوبة من قتل يحيى بن زكريا وقصدهم قتل عيسى ، وارتفاع ( كثير ) على البدل من الضمير في الفعلين . قال الأخفش : كما تقول رأيت قومك ثلاثتهم ، وإن شئت كان على إضمار مبتدأ : أي العمى والصم كثير منهم ، ويجوز أن يكون كثير مرتفعا على الفاعلية على لغة من قال : أكلوني البراغيث ، ومنه قول الشاعر : ولكن دفافي أبوه وأمه * بحوران يعصرن السليط أقاربه وقرئ ( عموا وصموا ) بالبناء للمفعول : أي أعماهم الله وأصمهم . قوله ( لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم ) هذا كلام مبتدأ يتضمن بيان بعض فضائح أهل الكتاب ، والقائلون بهذه المقالة هم فرقة منهم : يقال لهم اليعقوبية ، وقيل هم الملكانية ، قالوا : إن الله عز وجل حل في ذات عيسى ، فرد الله عليهم بقوله ( وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربى وربكم ) أي والحال أنه قد قال المسيح هذه المقالة ، فكيف يدعون الإلهية لمن يعترف على نفسه بأنه عبد مثلهم ؟ قوله ( إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ) الضمير للشأن ، وهذا كلام مبتدأ يتضمن بيان أن الشرك يوجب تحريم دخول الجنة ، وقيل هو من قول عيسى ( وما للظالمين من أنصار ) ينصرونهم فيدخلونهم الجنة أو يخلصونهم من النار . قوله ( لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة ) وهذا كلام أيضا مبتدأ لبيان بعض مخازيهم . والمراد بثالث ثلاثة واحد من ثلاثة ، ولهذا يضاف إلى ما بعده ، ولا يجوز فيه